كان اليونان يقولون τέχνη(tékhnē)، أي الصناعة، وποίησις(poíēsis)، أي الإنشاء. لم تكن الكلمتان من أصل واحد، لكن أرسطو عرّف الأولى بالثانية حين جعل الصناعة مَلَكةً إنشائية مقرونة بعقل صادق، وجعلت ديوتيما في «مأدبة» أفلاطون الإنشاء اسماً لكل ما ينقل شيئاً من عدم الوجود إلى الوجود، مع أن الاستعمال خصَّ الشعر وحده بهذا الاسم. وحين اختار المترجمون العرب «الصناعة» مقابلاً للفظة τέχνη (tékhnē)، التقوا باستعمال عربي يجعل الشعر صناعة؛ فالجاحظ وصفه بأنه «صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير»، والفارابي عدّه صناعةً منطقية قوامها التخييل والمحاكاة. ثم جاءت العربية الحديثة بلفظة «التقانة» لتسمّي مجالاً من الصنع غلب عليه التطبيق والضبط؛ وكأن تباعد الاستعمالات يومئ إلى قصة هذا المقال. ومن هذه القرابة أبدأ: في لحظة الابتكار شيء من عمل الشاعر. حين يقف المخترع أمام فكرة لم تتشكّل بعد، يبني بنيتها الأولى ويجرّب ويتأمل تجريبه، فيلتقي بالشاعر في وصل ما لم يكن موصولاً وإظهار علاقة لم تكن مرئية. ثم يفترقان، فعلى المخترع أن يجعل فكرته تعمل ضمن شروط محددة، بينما تظلّ الاستعارة مفتوحة على أكثر مما أراده الشاعر. وليس المختبر خارج العالم، فتمويله ومشكلاته ومعايير نجاحه تحمل تصوّرات سابقة عن الإنسان. لكن التجربة، ما دامت تجربة، قابلة لأن تفشل وأن يُعدل عنها. ففي المختبر لم يصبح الجواب بعدُ شرطاً لحياة الآخرين. وعند الانتقال من الإمكان إلى الإنتاج يتقدّم المقاول التقني، الشخصية التي تتصدّر اليوم صناعة الراهن، يزاحم السياسي والفيلسوف على وصف المستقبل، فيعد به ويبيعه في آن. أما المخترع فكثيراً ما يتراجع إلى أدنى مراتب سلطة التأثير والحضور العام، مهما كان إسهامه حاسماً: الباحثون الذين طوّروا الشبكات العصبونية، ومهندسو إنفيديا الذين ضاعفوا قدرة الشرائح، وفرق البحث الأولى في النماذج اللغوية، ومهندسو سبيس إكس ومبتكرو الألياف البصرية وأمثالهم. يتقدّم عملهم إلى العالم، ويتصدّر المشهد من يملك تحويله إلى مشروع. المخترع يسأل كيف يكون الشيء ممكناً، والمقاول يسأل كيف يصير مطلوباً وكيف يتسع الطلب عليه. وقد يجتمعان في شخص واحد، لكن التمييز بينهما يكشف ما يحدث حين يخضع الابتكار لمطلب التوسع: لم يعد كافياً أن تعمل الفكرة، بل ينبغي أن تستدعي استعمالها وتجدّد الحاجة إليها. هذه القدرة على تحديد المسار هي ما يمنح الانتقال من الاختراع إلى السلعة معناه الأبعد. فالاختراع يلقى ما يشبه مصير الاستعارة حين يكثر تداولها: كان في المختبر وصلاً جديداً يفتح إمكاناً لم يكن مرئياً، ثم يصير منتجاً منجزاً، مجمركاً ومختوماً من المصدر وجاهزاً للاستهلاك. والبلاغيون العرب يعرفون جانباً من هذا المسار؛ فقد عقد ابن جنّي في «الخصائص» باباً «في أن المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة»، ورأى أن أكثر اللغة، إذا تأمّلناها، مجاز لا حقيقة. لكن ألفة المجاز لا تكفي وحدها لتفسير سلطة المصنوع. فالوصف يكتسب قوة الإلزام حين يدخل في تصميم أداة تملكها مؤسسة، ثم تتسع الأداة حتى يصبح الاستغناء عنها مكلفاً وتضيق البدائل. عندئذ يتحوّل ما كان إمكاناً مفتوحاً إلى بيئة نعيش فيها، وننسى أحياناً أن شروطها نشأت من اختيارات كان يمكن أن تكون غيرها. يمكن أن نرى هذا الانتقال في تصوّر الإنسان بوصفه بيانات. ويبدأ هذا التصوّر باختيار ما يمكن تسجيله من أفعاله، ثم تُبنى على هذا السجلّ صورة لميوله ورغباته، ثم تصير الصورة أساساً لترتيب ما يُعرض عليه. فالاختزال الذي أتاح بناء الأداة يعود فيسهم في تشكيل تجربة الإنسان الذي اختزله. هنا يكتسب المجاز قوة الإجراء: لا يعود وصفاً نقبله أو نرفضه، بل ترتيباً لما يظهر لنا وما يُحجب عنا، وما يسهل علينا فعله وما يصعب. وأدوات هذه اللحظة تتيح لنا القول والمشاركة بسهولة فائقة، لكنها تقترح أشكال القول، وتجعل للمشاركة مقاييس مرئية: حضوراً وتفاعلاً وانتشاراً. يغدو الوقت طاقة أداء، والإنجاز رغبة تستدعي إنجازاً يليه، كأن الزمن كله لحظة إطلاق دائمة. ولهذا المجاز سمة أسميها البرّانية: أن يجد الإنسان لتجربته شكلاً جاهزاً قبل أن يتبيّن معناها لنفسه. فما إن يشعر حتى تُعرض عليه صورة الشعور، وما إن يعترض حتى يجد للاعتراض هيئةً معدّة للتداول. قد يكتب المرء حزنه، مثلاً، ثم ينشغل بما حازه التعبير من تفاعل قبل أن يفهم ما أراد قوله. لا تُبطل المشاركة تجربته، لكنها قد تستبق تشكّلها في ذاكرته وتأمله. والبرّانية بهذا المعنى ضغطٌ على تكوّن الداخل، لا دليلٌ على انعدامه. ولم يكن تمثيل المعرفة أمام الجمهور محصوراً دائماً فيمن يحوّلها إلى منتج. في عام 1955 أُعلن بيان برتراند راسل وألبرت أينشتاين في التحذير من الحرب النووية، فالتقى الفيلسوف والعالِم ليطلبا من البشر أن يفكّروا في بقائهم المشترك خارج انقسام المعسكرات. كانت المعرفة