يكفي أن يقول أحدهم إنّ مئة قرية يمكن أن تُمحى، حتى نعرف أن البلد ليسَ في حسابات هذه الفرقة وجمهورها. الـ10452 كيلو متر مربع، يمكن لها أن تنقص، ولا يهتمّ المغامرون لأحد. لكن ما الذي تعنيه هذه الجملة فعلياً؟ يعني أنّ مئة قرية يمكن اقتطاعها من الجنوب ووضعها جانباً، مئة مكان كبير سيُطلب من أهله أن يغادروا حياتهم، وأن تتحول البيوت التي عرفوها إلى شيء آخر.. أو بالأحرى إلى لا شيء. صار ممكناً بعد مقتلة جبل عامل أن نتحدث عن الجنوب كساحة معركة فقط، وعن بيروت كعاصمة محيَّدة فعلياً، وعن البقاع كبيئة، وعن مناطق أخرى كامتداد لخلاف سياسي أكبر منها. لا تحتاج جملة سحر غدّار لكثير من خيالنا كي نفهم ما وراءها. حين نقول إن مئة قرية يمكن أن "تذهب"، فنحن نتحدث عن بيوت وطرق ومقابر ومدارس وأراضٍ، عن عائلات عاشت سنوات طويلة وهي تفترض، ببساطة شديدة، أن المكان الذي ولدت فيه سيكون موجوداً حين تعود إليه وسيأويها في حرّها وبردها وحلوها ومرّها وفي آخِرتها طبعاً...بدلاً من الدفن بالوديعة. قالت غدّار بصوت مرتفع، ما بدأ آخرون يقولونه بأشكال مختلفة منذ سنوات: الجنوب كبش فداء للحزب. ربما غدّار فاتَها أن جزءاً من الخطاب اللبناني صار يتعامل مع الجنوب باعتباره ملكاً لحزب الله وعطيّته ومسؤوليته وامتداده. وجملتها هذه تؤكد الخطاب المؤلم وتقدم له الحُجة والمبرر والمصداقية. لكن الجنوب ليس ملكاً لحزب الله، ليس ملكاً لدولتنا أيضاً، وقطعاً ليس لإسرائيل. الجنوب ملك لأهله أولاً، ولهذا البلد الذي يفترض أن يكون للجميع. هناك مشكلة حقيقية في التعامل مع أهل الجنوب كأنّهم جماعة سياسية واحدة، وباقة واحدة. الجنوبي الذي يؤيد حزب الله ليس الحزب، والجنوبي الذي يعارضه ليس أقلّ "جنوبية" منه. هؤلاء كلهم الذين يريدون أن يعيشوا في أرضهم، وأن يعملوا، وأن يرسلوا أولادهم إلى المدارس، وأن يعودوا إلى بيوتهم بعد كل حرب. ما الذي تقوله فعلاً غدار حين تقول "وتروح مية ضيعة"، من هو فعلاً الذي "لازم يروح"؟ الحزب؟ الجمهور المؤيد؟ المعارضة؟ كلن يعني كلن؟ هل مطلوب أن يختفي جنوب لبنان من المشهد حتى نرتاح؟ الجنوبيون أمام خسارتهم الكاملة. المفارقة الأكبر أنهم لم يقرروا شيئاً تجاه الحرب. هبطت عليهم من "غامض علمه". يدفعون ثمن حرب لم يقرروها. أولئك يفتحون هواتفهم صباحاً ليتأكدوا إن كانت بيوتهم ما زالت موجودة. عاجزون أمام شيء لم يقرروه فعلاً. يريدون أن تبقى قراهم. يختلفون على كل شيء آخر، لكن من الصعب أن تجد جنوبياً يريد أن يستيقظ ذات صباح فلا يجد البيت الذي ولد فيه. يمكن أن نختلف حول الحزب وسلاحه، وحول علاقته بإيران، وحول قراره في الحرب، وحول الدولة ودورها، وحول كل ما أنتج هذا المشهد اللبناني منذ سنوات. يمكن أن تكون الخصومة معه كاملة، ويمكن أن يكون الاعتراض على خياراته في صلب أي نقاش سياسي. لكن ذلك كله لا يحتاج أن يصبح موقفاً من حق الناس في بيوتهم وقراهم وذاكرتهم. قد يكون الجنوب، اليوم، في قلب هذا النقاش أكثر من أي وقت آخر. لأن البلد الذي يقبل بأن تصبح مئة قرية منه ثمناً سياسياً، لا يضمن أن يتوقف الرقم عند المئة. لأن الفكرة نفسها تصبح قابلة للتعميم. ما دام الآخر يستحق أن يدفع ثمن خياراته أو حتى ما يَختره لكنه يعيشه، فليس هناك ما يمنع أن يأتي الدور على آخرين، في مكان آخر، وفي لحظة أخرى. يكشف خطاب غدار ومَن خلفه، شيئاً عن الطريقة التي ننظر بها بعضنا إلى بعض. عن لبنان الذي ما زال يجد صعوبة في رؤية مواطنيه خارج هوياتهم السياسية والطائفية. وعن السياسة التي، كلما عجزت عن تغيير الواقع، راحت تتمنى تغيير الناس الذين يعيشون فيه. وعن الحزب الذي يصر على النهاية بلا أي اعتبار لأي شيء آخر.