من 1978 إلى القرار 1701 منذ عام 1978، ارتبط حضور اليونيفيل في جنوب لبنان بالتطورات التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المتكررة على الأراضي اللبنانية. فقد أُنشئت القوة بموجب القرارين 425 و426 عقب الاجتياح الإسرائيلي، تحت عنوان تأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية والمساهمة في إعادة الأمن والاستقرار، إلى جانب مساعدة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها في الجنوب. وبعد حرب تموز 2006، توسعت مهمة اليونيفيل بموجب القرار 1701، لتشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوباً، في إطار ترتيبات أمنية يفترض أن تترافق، وفق القرار، مع احترام سيادة لبنان وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية. لكن التجربة التي أعقبت القرار 1701 أظهرت أن معادلة الأمن في الجنوب لا يمكن اختزالها بوجود قوة دولية، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمواقع وأراضٍ لبنانية، وتكرار الخروقات والاعتداءات. ومن هذا المنطلق، تكتسب المرحلة التي تلي انتهاء ولاية اليونيفيل أهمية خاصة، لأنها ستضع مسألة السيادة اللبنانية أمام اختبار جديد. ففي 28 آب 2025، قرر مجلس الأمن تمديد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ بعد ذلك عملية خفض تدريجي ومنظم وآمن لعناصرها ومعداتها، على مدى عام، مع تأكيد الهدف المعلن المتمثل في تولي الحكومة اللبنانية المسؤولية الأساسية عن الأمن في الجنوب. ولا يعني انتهاء الولاية انسحاباً فورياً لكل أشكال الحضور الدولي. فقد طلب مجلس الأمن من الأمين العام للأمم المتحدة دراسة خيارات للمرحلة المقبلة، بما في ذلك إمكان استمرار بعض الوظائف المرتبطة بمراقبة الخط الأزرق ودعم الجيش اللبناني جنوب الليطاني. الجنوب أمام هاجس الفراغ أم استعادة السيادة؟ في بيروت، يطرح انتهاء مهمة اليونيفيل سؤالاً أساسياً حول كيفية إدارة المرحلة الانتقالية من دون السماح بتحول الجنوب إلى ساحة فراغ أمني. إلا أن مقاربة المسألة لا تقتصر على البحث عن بديل دولي لليونيفيل، بل تتصل أيضاً بمسألة السيادة اللبنانية وحدود الدور الدولي في الجنوب. وفي هذا السياق، تبحث الأمم المتحدة في صيغ لوجود محتمل بعد انتهاء المهمة الحالية. وفي نيسان 2026، أعلنت المنظمة الدولية بحث خيارات لوجود أممي في المرحلة اللاحقة، بما يفتح الباب أمام صيغة تختلف عن مهمة حفظ السلام المعروفة حالياً. وبالتالي، فإن السؤال لا يتعلق فقط ببقاء القوات الدولية أو مغادرتها، وإنما بطبيعة الوظائف التي يمكن أن تستمر لاحقاً، وحدود التفويض الممنوح لأي جهة دولية، ومدى انسجامه مع سيادة لبنان وحقه في إدارة شؤونه الأمنية على أرضه. الجيش اللبناني في الواجهة سيكون الجيش اللبناني محورياً في أي ترتيبات مقبلة. فقد دعا القرار 2790 إلى تعزيز الدعم الدولي للجيش، بما يشمل التجهيز والتمويل وبناء القدرات، بما يسمح له بتعزيز انتشاره جنوب الليطاني وتولي مسؤولياته الأمنية بصورة مستدامة. لكن نجاح هذه المرحلة لا يرتبط بالقدرات العسكرية وحدها، بل أيضاً بالقرار السياسي اللبناني وبطبيعة الترتيبات التي ستنشأ بعد اليونيفيل. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة تحفظ للجيش دوره الوطني، من دون تحويل أي وجود دولي جديد إلى وصاية أمنية على الجنوب أو إلى أداة للضغط على لبنان. الاحتلال الإسرائيلي والخط الأزرق يبقى العامل الأكثر حساسية هو استمرار الوجود الإسرائيلي في أجزاء من الأراضي اللبنانية، إلى جانب الخروقات المتكررة للسيادة اللبنانية. وقد دعا القرار 2790 إسرائيل إلى الانسحاب شمال الخط الأزرق، بما في ذلك المواقع الخمسة التي تحتفظ بها داخل الأراضي اللبنانية، ورفع المناطق العازلة المحددة شمال الخط الأزرق، بالتوازي مع دعوة السلطات اللبنانية إلى الانتشار في تلك المواقع بدعم من اليونيفيل. وعليه، فإن الحديث عن مرحلة ما بعد اليونيفيل لا يمكن فصله عن السؤال الأهم: هل ستترافق الترتيبات الجديدة مع تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي واحترام السيادة اللبنانية، أم ستتحول مسألة الأمن في الجنوب إلى عنوان جديد للضغط على لبنان؟ فالاستقرار لا يتحقق بمجرد إعادة توزيع القوات الدولية، بل بمعالجة أصل المشكلة المتمثل في الاحتلال والاعتداءات والخروقات، وضمان حق لبنان في حماية أرضه وسيادته. ماذا بعد 2026؟ مع اقتراب نهاية ولاية اليونيفيل، انتقل النقاش من سؤال تمديد المهمة إلى سؤال أكثر تعقيداً: ماذا سيأتي بعدها، وما حدود التفويض الجديد؟ وكان مجلس الأمن قد طلب من الأمين العام للأمم المتحدة إعداد خيارات للمرحلة المقبلة، تشمل المساعدة في مراقبة الخط الأزرق وتعزيز دعم الجيش اللبناني جنوب الليطاني. وفي نيسان 2026، أعلنت الأمم المتحدة أنها تعمل على إعداد «خيارات لوجود محتمل» بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، من دون حسم شكل هذا الوجود أو طبيعته النهائ