أولاً: المجتمعات المتعدِّدة - لبنان نموذجاً لا يكتمل بحثنا في الفدرالية والمجتمعات المتعدِّدة من دون الوقوف عند الحالة اللُّبنانيَّة، فلبنان مختبَرٌ حيّ لكلّ الأسئلة النَّظريَّة الّتي طُرحتْ أعلاه. فنظام الحكم فيه ليس فدرالياً بالمعنى الصَّارم - حيث ليس ثمَّة أقاليم ذات صلاحيَّات تشريعيَّة مستقلَّة - ولكنّه نظام ديموقراطيَّةٍ توافقيَّة (Consociational Democracy)، بحسب التَّعريف الذي وضعه آرند ليبهارت (1936) Arend Lijphart في كتابه «الديموقراطيَّة في المجتمعات التَّعدُّديَّة: استكشاف مقارن». يوضح ليبهارت كيف يمكن لهذه المجتمعات أن تتجنَّب تأبيدَ الصِّراع فيما بينها على السُّلطة وتنأى عن حكْم الأكثريَّة من خلال إرساء منظومة تَعاون بين نُخب المكونِّات المختلفة وقياداتها. وقد وضع معاييرَ أربعة لتحديد مفهوم «الديموقراطيَّة التوافقيَّة» بطريقة عمليَّة. أُوْلاها وأَهمُّها: «ائتلافٌ واسع» يضمن مشاركة ممثلي كافَّة المجموعات الأساسيَّة في السُّلطة التنفيذيَّة؛ ثانيها: «حقّ النَّقْض المتبادَل» (الڤيتو)، ما يعطي الأقلِّيَّات حقّ الاعتراض لحماية مصالحها الحيويَّة ضدَّ تغوُّل الأغلبيَّة؛ ثالثها: «التَّمثيل النِّسبيّ» ما يؤمِّن توزيعاً أعدلَ في المقاعد والمناصب والموارد؛ ورابعها: «الاستقلاليَّة القِطاعيَّة والفدراليَّة» (Segmental Autonomy & Federalism) الأمر الذي يمنح كل مجموعة حقّ وفرصة إدارة شؤونها الماليَّة والثقافيَّة والتعليميَّة والإجتماعيَّة والإنمائيَّة الخاصَّة. يلاحَظ أنَّ النَّظام السِّياسيّ في لبنان يطبِّق بعضاً من هذه المبادئ والمعايير، كالاعتراف الدُّستوريّ بالتَّعَدُّديَّة (بوبر/ ليڤيناس)، وحقّ النَّقْض للأقلِّيَّات (رولز). لكنَّه يفشل في تطبيق مبدأين جوهريِّيَن آخرَيْن: الأول هو التوزيع العموديّ الفعليّ للسُّلطة (مونتسكيو)، إذ إنَّ النّظام شديد المركزيَّة وتديره "نُخب" طائفيَّة واقتصاديَّة/ماليَّة مترابطة ومتداخلة المصالح، مع غياب الاستقلاليَّة القِطاعيَّة وعدم وجود أقاليم ذات سيادة تشريعيَّة وماليَّة وقانونيَّة. أما الثاني فانعدام المساءلة الدُّستوريَّة (كانط)، إذ إنَّ الزَّعامات والقيادات تستمدّ شرعيَّتها من ادِّعاء حصريَّة تمثيلها لطوائفها، لا من قوَّة سيادة الدُّستور وحكْم القانون. رأي إيلي بو حرب الفدراليَّة: هل هي أَسمى الأنظمة الدِّيموقراطيَّة؟ (1 من 3) كيف تعزِّز الفدراليَّة حقوق الإنسان والعدالة في المجتمعات التعدُّديَّة؟ بحثٌ على ضوء آراء بعض الفلاسفة، يتضمَّن مقارنة مع الأنظمة الشُّموليَّة. الفدراليَّة: هل هي أَسمى الأنظمة الدِّيموقراطيَّة؟ (1 من 3) كيف تعزِّز الفدراليَّة حقوق الإنسان والعدالة في المجتمعات التعدُّديَّة؟ بحثٌ على ضوء آراء بعض الفلاسفة، يتضمَّن مقارنة مع الأنظمة الشُّموليَّة. ما مِن مراقب أو باحث جادّ ورصين يمكنه إنكار ما تشوبُ النِّظام السِّياسيّ القائم في لبنان من أعطاب بنيويَّة وعلل جوهريَّة، والتي يمكن تلخيص بعضها كالتالي: انقساماتٌ سياسيَّة حادَّة - نظراً لتعدُّد السَّرديَّات الوطنيَّة لحدّ التَّضادّ والاختلاف - غالباً ما تتحوَّل إلى انقساماتٍ طائفيَّة أكثر حدَّة؛ جمود الصِّيغ التي لطالما أظهرتْ أنها عصيَّةٌ على كل محاولات التطوير كما وأثبتتْ عدمَ قدرتها في الاستجابة لتطوُّر المجتمعات اللبنانيَّة؛ جنوح المكوِّنات اللُّبنانيَّة، كلٌّ في فورة شعوره بفائض قوَّةٍ ما، لاختزال الآخرين وفرض رؤاه في "الخيارات الوطنيَّة" تحقيقاً لأهادفه الخاصَّة؛ "وجوب" التدخُّلات والوصايات الإقليميَّة والدوليَّة متى اشتدَّتْ العراكات الداخليَّة وأصاب الشلَّلُ المؤسَّسات الدستوريَّة (انتخابات رئاسة الجمهوريَّة، تسمية رؤساس الحكومات، تشكيل الحكومات، إلخ...) ؛ وأخيراً وليس آخراً ارتهان العديد من اللَّاعبين المحلِّيِّين لمحاورَ خارجيَّة، ما يؤدِّي إلى تأجيج الصِّراعات واستغلال الانقسام الطّائفيّ بشكلٍ شبه متواصل. بذلك تبرهن الحالة اللُّبنانيَّة أنَّ الاعتراف بالتَّعدُّديَّة من دون توزيع عادل للسُّلطة، ومن دون بناء ثقافة مواطَنة (ما يُسمّيه بوبر «الأنا–أنتَ» بين المجتمعات) تقوم على احترام الخصوصيَّات الثَّقافيَّة لكافة المكوِّنات - على أن تبني عليها وتسمو بها-، يتسبَّبان بما يدعوه ليبهارت «جمود التَّوافُقيَّة» (consociational inertia). أما الحلّ فيستدعي، على ضوء كانط ولوك ومونتسكيو، نقلةً إلى نظامٍ سياسيّ يجمع ما بين الاعتراف التَّوافقيّ الحاليّ - لئلَّا تطغى أكثريةٌ ما، قد تكون/تصبح مُركَّبة بفعل تقاطُع المصالح بين عدَّة أقلِّيَّات - ولا مَركزيَّة ماليَّة وتشريعيَّة وسياسيَّة، بالإضافة إلى تلك الإداريَّة، موَسَّعة (تَطبيقاً لمبدأ مونتسكيو في التّوزيع العموديّ). ثانياً: ردود نقديَّة على الطرح الفدراليّ في واقعه اللُ