تسطع ألف شمس، ولا تضاهي نور تلك التي أشرقت من بين ركام الحرب، من قلب كابول الجريحة، حيث وُلدت الحكاية لا لتُروى فحسب، بل لتُبكينا، وتمتحن هشاشتنا، وتذكّرنا بأنّ النساء قد يولدن، في عمق الخراب، كنجومٍ تضيء ليالي الخوف. هناك، حيث تتشابك خيوط الحرب والحرمان، تتلألأ "ألف شمس ساطعة" لتروي حكاية امرأتين، مريم وليلى، جمعتهما قسوة القدر وظلم المجتمع. يقدّم خالد حسيني في روايته لوحةً إنسانية مؤثرة، تُسلّط الضوء على معاناة النساء في مجتمعٍ مزّقته الحروب والتقاليد البالية. وعبر ثلاثة أجيال من النساء، يبني الكاتب صورةً شاسعة للمجتمع الأفغاني خلال حقبة تاريخية مضطربة، بآلامه وآماله، وتفاوتاته الطبقية، وانقساماته الطائفية، والحروب الطاحنة، والتشدّد الديني الذي فرضته حركة "طالبان". وفي قلب ذلك كلّه، يحضر التمييز ضد المرأة، وتضحياتها المستمرة من أجل البقاء. عالم خالد حسيني بين أفغانستان ونسائها كتب حسيني روايته باللغة الإنكليزية، ليكشف للعالم الغربي ملامح حضارة شرقية مدفونة، قد يجهلها الغرب أو يتجاهلها. فهرات، مسقط رأس مريم، كانت ذات يوم مهد الثقافة الفارسية وموطن الكتّاب والرسامين والمتصوّفة، قبل أن تأتي الحروب لتطمر الكثير من ملامح تلك الحضارة. غلاف رواية “ألف شمس ساطعة“. (دار جامعة حمد بن خليفة للنشر) مريم وليلى وعزيزة، ثلاثة أجيال من النساء الباكيات والمُبكيات، المقهورات والمغبونات. اضطهدتهنّ الحرب، وسلطة الرجل، والتقاليد الاجتماعية، والتأويل المتشدّد للدين. أولئك هنّ نساء "ألف شمس ساطعة". تبدأ الحكاية مع مريم، الطفلة المولودة خارج إطار الزواج، التي تُزوّج في الخامسة عشرة من رشيد، صانع الأحذية الأكبر منها سناً، فتعيش معه العزلة والعنف. وبعد أعوام، تدخل ليلى حياتها بعدما خسرت عائلتها واضطرت إلى الزواج من رشيد، معتقدةً أن حبيبها قد مات. وتتحرّك حكايتهما على وقع التحولات التي عصفت بأفغانستان، من الغزو السوفياتي إلى الحرب الأهلية ثم سيطرة "طالبان". ورغم التوجّس الذي يطبع علاقتهما في البداية، تجمعهما عزيزة ابنة ليلى وتتحوّل علاقتهما إلى تضامن ومقاومة قوامهما الحماية والصداقة والتضحية. ليست مريم وليلى وعزيزة استثناءً أفغانياً. فكما في كابول كذلك في بيروت وغزة وبغداد ودمشق وصنعاء والخرطوم، تتغيّر أسماء المدن والحروب، فيما تتشابه الأثمان التي تدفعها النساء. فالحرب لا تصيبهنّ بالقذائف وحدها، بل تدخل بيوتهنّ، وتُفقدهنّ الأمان والأحبّة، وتدفعهنّ إلى النزوح والفقر والعنف والاستغلال. الروائي الأفغاني الأميركي خالد حسيني. (Getty Images) وقد لا تكون النساء دائماً الأكثر عدداً بين قتلى الحروب، لكنّهن غالباً من الأطول بقاءً في دائرة آثارها. يحملن ذاكرة الفقد، ويتولّين إعالة أسرهنّ وتربية أطفالهنّ وسط الخراب، ويحاولن إعادة بناء حياةٍ لم يخترن أن تُهدم. فالحرب التي تنتهي على الخرائط وفي نشرات الأخبار قد لا تنتهي في أجساد النساء وذاكرتهنّ. من هنا، تتجاوز "ألف شمس ساطعة" حدود أفغانستان، لتصبح مرآةً لحكايات نساء كثيرات في منطقتنا. رواية يواصل الواقع كتابة فصولها حين صدرت "ألف شمس ساطعة" عام 2007، حملت إلينا حكايةً من كابول بدت بعيدةً في المكان والزمان. أمّا اليوم، وبعد نحو عقدين، فقد تقلّصت المسافة بين صفحات الرواية وواقعنا، حتى باتت وجوه مريم وليلى مألوفةً، كأننا نراهما يوميّاً في مدننا المنكوبة. لهذا نستعيد الرواية اليوم، لا لنتذكّر ما حدث في أفغانستان فحسب، بل لنتأمّل ما لا يزال يحدث أمام أعيننا. لذلك، لم تُغلق "ألف شمس ساطعة" صفحتها الأخيرة بعد، فكلّما غيّرت الحرب اسم المدينة، أعادت كتابة مريم وليلى بملامح جديدة.