مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في 31 كانون الأول 2026، تدخل مسألة الوجود الدولي في جنوب لبنان مرحلة جديدة. فالموضوع لم يعد يقتصر على موعد الانسحاب، بل يتعلّق أيضاً بكيفية تنظيم الأمن في الجنوب، ودور الجيش اللبناني، وشكل العلاقة المقبلة بين لبنان والأمم المتحدة وإسرائيل.من 1978 إلى القرار 1701منذ عام 1978، تشكّل اليونيفيل جزءاً أساسياً من المشهد الأمني في جنوب لبنان. أُنشئت بموجب القرارين 425 و426 عقب الاجتياح الإسرائيلي، بهدف تأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية، والمساهمة في إعادة السلام والأمن الدوليين، ومساعدة الحكومة اللبنانية على بسط سلطتها في المنطقة.وبعد حرب تموز 2006، توسّعت مهمتها بموجب القرار 1701. فأصبحت تراقب وقف الأعمال العدائية، وتدعم انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، وتساهم في إنشاء منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من الأسلحة والعناصر المسلحة باستثناء تلك التابعة للدولة اللبنانية واليونيفيل.لكن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة. ففي 28 آب 2025، قرر مجلس الأمن تمديد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ اعتباراً من ذلك التاريخ عملية خفض تدريجي ومنظّم وآمن لعناصرها ومعداتها، تستمر لمدة عام والهدف المعلن هو أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن في جنوب لبنان.ولا يعني ذلك اختفاء الوجود الأممي من الجنوب بصورة فورية. فقد طلب مجلس الأمن من الأمين العام للأمم المتحدة دراسة خيارات مستقبلية لتنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب اليونيفيل، بما في ذلك إمكانات المساعدة في مراقبة الخط الأزرق وتعزيز دعم الجيش اللبناني جنوب الليطاني.لبنان أمام هاجس الفراغبالنسبة إلى بيروت، تطرح عملية الانسحاب سؤالاً أساسياً: كيف يمكن ضمان انتقال المسؤوليات من دون حصول فراغ أمني؟وتعمل الأمم المتحدة على دراسة صيغ لوجود محتمل بعد اليونيفيل. ففي نيسان 2026، أعلنت المنظمة الدولية أنها تبحث خيارات لوجود محتمل " في المرحلة التي ستلي انتهاء مهمة القوة، ما يفتح الباب أمام صيغة مختلفة عن مهمة حفظ السلام" الحالية، من دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار نهائي بشأن طبيعة هذا الوجود.وبالتالي، لا تنحصر المسألة في بقاء القوات الدولية أو رحيلها، بل في الوظائف التي يمكن أن تستمر بعد انتهاء المهمة، من المراقبة والإبلاغ عن التطورات إلى دعم تنفيذ القرار 1701 والتنسيق بين الأطراف.الجيش اللبناني في الواجهةيبقى الجيش اللبناني العنصر الأساسي في أي ترتيبات مقبلة. فالقرار 2790 دعا المجتمع الدولي إلى تعزيز دعمه للجيش، بما يشمل المعدات والتمويل والقدرات، بهدف تمكينه من الانتشار بصورة فعّالة ومستدامة جنوب الليطاني. كما ربط عملية الانسحاب بتعزيز سلطة الدولة اللبنانية في الجنوب.وهنا تتحوّل مرحلة ما بعد اليونيفيل إلى اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على توسيع حضورها وممارسة مسؤولياتها الأمنية في المنطقة. كما أن نجاح الانتقال لا يرتبط فقط بالقدرات العسكرية، بل أيضاً بوجود تنسيق واضح مع الأمم المتحدة واستمرار الدعم الدولي.إسرائيل والخط الأزرقيبقى مستقبل اليونيفيل مرتبطاً أيضاً بالوضع على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية. فقد دعا القرار 2790 إسرائيل إلى الانسحاب شمال الخط الأزرق، بما في ذلك من المواقع الخمسة التي تحتفظ بها داخل الأراضي اللبنانية، ورفع المناطق العازلة المحددة شمال الخط الأزرق، بالتوازي مع دعوة السلطات اللبنانية إلى الانتشار في هذه المواقع بدعم من اليونيفيل.وبذلك، فإن انسحاب اليونيفيل لا يمكن فصله عن مستقبل الترتيبات الأمنية على الحدود. فأي انتقال جديد سيحتاج إلى معالجة مسائل الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، ومراقبة الخط الأزرق، وآليات التعامل مع الخروقات.ماذا بعد 2026؟مع اقتراب نهاية ولاية اليونيفيل، لا يجري البحث فقط في كيفية انسحاب القوة، بل أيضاً في شكل الترتيبات التي يمكن أن تضمن استمرار تنفيذ القرار 1701 بعد مغادرتها. وكان مجلس الأمن قد طلب من الأمين العام للأمم المتحدة، بحلول الأول من حزيران 2026، إعداد خيارات للمرحلة المقبلة، تشمل المساعدة في مراقبة الخط الأزرق وتعزيز دعم الجيش اللبناني في جنوب الليطاني.وفي نيسان 2026، أعلنت الأمم المتحدة أنها تعمل على إعداد «خيارات لوجود محتمل» بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، من دون أن تكون قد حسمت طبيعة هذا الوجود أو شكله النهائي.وتدور النقاشات حول أكثر من صيغة. السيناريو الأول يتمثل في استمرار حضور أممي، ولكن بتركيبة أو مهمة مختلفة عن اليونيفيل الحالية، بحيث يركّز على وظائف محددة، مثل مراقبة الخط الأزرق، جمع المعلومات ورفع التقارير، ودعم آليات الارتباط والتنسيق بين الأطراف. وهذا الطرح اكتسب أهمية أكبر في حزيران، عندما دعا الأمين العام أنطونيو غوتيريش إل