في أخطر لحظة للبشرية:نحن نعتقد أن الحرية تعني ألا يكون هناك من يمنعنا. لكن ماذا لو كان السجان الأكبر يسكن داخلنا؟في قصة "أمام القانون" لفرانز كافكا، يقف رجل أمام باب مفتوح يؤدي إلى القانون، وأمامه حارس يقول له "لا يمكنك الدخول الآن". فيجلس الرجل وينتظر. يمضي يوم، ثم عام، ثم عمر كامل وهو ينتظر الإذن. وقبل أن يموت يسأل الحارس: لماذا لم يأتِ أحد غيري؟ فيجيبه الحارس: "لم يكن هذا الباب مخصصاً إلا لك"، ثم يغلقه.هذه ليست حكاية رجل، إنها حكاية البشرية اليوم.نقف اليوم أمام باب التاريخ وهو مفتوح، لكننا ننتظر إذناً لن ندخله. أميركا التي فرضت نظام العالم لقرن كامل منذ تقسيم الإمبراطورية العثمانية، تقف عالقة في الشرق الأوسط بلا مخرج من حربها مع إيران، وفي اللحظة نفسها التي تلوّح فيها بالتهديد بـ "الإبادة" من على منبر الأمم المتحدة، هي في الحقيقة تنسحب. ترفض ضرب الحوثيين، وتتفاوض سراً مع ميليشيا لتجنيب سفنها، وتدرس سحب 25 إلى 40 ألف جندي من أوروبا أيضاً. لم يعد المهندس قادراً على هندسة العالم.والسؤال الكافكاوي يتكرر على مستوى الكوكب: كم باباً مفتوحاً في حياة الأمم نقف أمامه منتظرين أن يقول لنا أحد "يمكنكم الدخول الآن"؟الباب الاول - فراغ الهيمنة وثمن الانتظار:يبدو أن أميركا عالقة في الشرق الأوسط بلا مخرج سهل. ومع ذلك، هذا الصراع، أياً تكن نهايته، سيكون اللحظة التي تتخلى فيها أخيراً عن هيمنتها. لأول مرة منذ قرن، لن يُفرض نظام الشرق الأوسط من الخارج.ومثل الرجل أمام باب كافكا، كان العرب ينتظرون طويلاً. منذ الحرب العالمية الأولى، شعر العرب بالخيانة عندما اقتسمت بريطانيا وفرنسا المنطقة، ثم سقط قادتهم كعبد الناصر في فخ سياسات اقتصادية سوفياتية مدمّرة، ثم سُحقوا بين ديكتاتوريات صدام وحافظ الأسد وتطرف الجهاديين الذين أنتجهم القمع.بعد ثلاث حروب وعمليات سرية لا حصر لها، استنفدت أميركا محاولاتها. ستبقى موجودة، ستضرب أحياناً لمكافحة "الإرهاب"، لكنها لن تعود المهندس.علامات الانكفاء لا لبس فيها. 30 إلى 40 ألف جندي في 19 قاعدة أصبحوا مكشوفين أمام المسيرات الرخيصة، فاضطرت أميركا للاحتماء بحاملات الطائرات وقاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي. إدارة ترامب تركز على الأميركتين، والبنتاغون يريد التجهز للتنافس مع الصين. حروب الشرق الأوسط تفرغ ترساناتها وتستنزفها من آسيا. وحتى النفط لم يعد مبرراً، فأميركا كانت مستوردة حتى 2020 وأصبحت اليوم مصدّراً هائلاً، بينما الصين هي أكبر زبائن الخليج.الفراغ سيملؤه ثلاثة غير عرب: إيران التي ستحاول ابتزاز العالم عبر مضيق هرمز وإعادة بناء ميليشياتها وربما قنبلتها بدعم روسي، وتركيا التي تبني بهدوء شبكة مصالح من سورياإلى العراق ووقعت اتفاقاً أمنياً مع باكستان والسعودية، وإسرائيل التي ترى نفسها بعد 7 أكتوبر 2023 "إسبرطة حديثة" تدمر أي تهديد، متحصنةً باتفاقات أبراهام مع الإمارات.هؤلاء الثلاثة لن يعيشوا بسلام. إسرائيل وتركيا على خلاف في سوريا، وإسرائيل وإيران حسابهما لم ينته، وإيران وتركيا خصمان إمبراطوريان قديمان. والخاسرون هم نحن العرب للأسف: العراق وسوريا من رماد الحرب، ومصر مشغولة بسحق المعارضة، والخليج يحاول ترويض الأيديولوجيا بالنمو لكن نموذجه يعتمد على حماية أميركية تنسحب، وتنافس يشعّ عدم استقرار.الباب الثاني - العملاق الحذر الذي يتفرج:هنا يدخل الحارس الثاني في قصة كافكا: الصين.حكام الشرق الأوسط غاضبون من ترامب الذي أشعل الحرب بلا خطة لإنهائها، ومحبطون من شي جينبينغ الذي يملك نفوذاً اقتصادياً فريداً على كل الأطراف لكنه يرفض ليّ الأذرع من أجل السلام.هناك تفسير ساخر: قادة الحزب الشيوعي يستمتعون بمشهد أميركا تتخبط في المستنقع. فما دامت القوات الأميركية محاصرة في الخليج وتستهلك ذخائر لا تعوض، سيكون لدى البنتاغون حاملات طائرات أقل لإزعاج الصين في فنائها.والصين مسرورة لفشل عقوبات "الضغط الأقصى" على إيران حتى مع القصف الجوي. صينيون قريبون من طهران يهمسون للغرب: إيران حضارة قديمة لن تركع، مثل كوريا الشمالية. الحزب الشيوعي يكره العقوبات وتغيير الأنظمة، فيرتاح لصمود إيران.في الأشهر الأولى للحرب، حققت الصين مكسباً كبيراً: خفضت واردات النفط بعد إغلاق هرمز، فاستقرت أسواق الطاقة العالمية. لديها مصلحة في إبقاء السعر مخفوضاً لأن اقتصادها يتباطأ ويعتمد على التصدير، ولأنها بنت احتياطيات ضخمة سمحت لها بالاستهلاك من المخزون، محافظة على سياسة عدم الاعتماد على مورد واحد حتى لو كان روسيا.هذه الاحتياطيات أحبطت محاولة ترامب منع إيران من بيع نفطها للصين، أكبر مشترٍ لها، ونسفت ادعاء أن حربه هي "شطرنج احتواء الصين". بل إن ترامب، الحريص على لقاء شي في واشنطن في 24 سبتمبر، قلّل من شأن تقارير عن مساعدة أقمار صناعية صينية لإيران في ضرب قواعد أميركية في الأردن