دخلت استقالة وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد دائرة صراع متصاعد داخل دوائر السلطة الإيرانية على عائدات شحنات نفطية تُصدّر عبر قنوات ملتوية لتجاوز العقوبات الأميركية، وسط خلافات بشأن مصير جزء من الإيرادات وآليات إدارتها خارج الدورة المالية الرسمية للدولة، وفق ما كشفت مصادر إيرانية معارضة مطلعة لـ"إرم نيوز". وبحسب المصادر، تتركز الخلافات على تحويلات مالية بالدولار ناتجة عن مبيعات النفط والمشتقات البترولية، تقول إنها تخضع لنفوذ شخصيات مرتبطة بالحرس الثوري، فيما لا تدخل أجزاء من هذه العائدات إلى القنوات المالية الحكومية المعتادة، بل تُنقل عبر شبكات من الوسطاء وآليات مالية تفتقر إلى الشفافية بشأن أوجه إنفاقها. وقالت المصادر إن باك نجاد، الذي عمل لسنوات في قطاع الطاقة ويُنظر إليه باعتباره قريبًا من دوائر نافذة في النظام، دخل في خلافات مع قيادات مرتبطة بالحرس الثوري بشأن إدارة شبكات تصدير النفط والمنتجات البترولية خارج القنوات التقليدية وتوزيع عائداتها. وذكرت أن من بين الأسماء المرتبطة بهذا الصراع مصطفى أحدي، الذي وصفته بأنه مرتبط بجهاز استخبارات الحرس الثوري وملف صادرات النفط غير الرسمية، إلى جانب القيادي صمد فتحي سلامي، مشيرة إلى أن الخلاف تمحور حول تأخر تحويل بعض الإيرادات أو الاحتفاظ بها تحت بند تمويل الاحتياجات والمشتريات العسكرية. وتزامنت هذه الخلافات، بحسب المصادر، مع موجة انتقادات طالت باك نجاد وحمّلته مسؤولية أوجه قصور في إدارة قطاع التكرير وسياسات الوقود، بما فيها القرارات المتعلقة بشرائح أسعار البنزين. وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد وافق على استقالة باك نجاد وعيّن قائمًا بأعمال وزارة النفط، في وقت تواجه فيه طهران ضغوطًا متزايدة جراء العقوبات الأميركية التي تستهدف صادراتها النفطية وشبكات نقل وتمويل الشحنات إلى الخارج. وتبرز عائدات شحنات النفط المتجهة إلى السوق الصينية في صلب الخلاف. وقال مصدر في المعارضة الإيرانية لـ"إرم نيوز" إن هذه الشحنات تصل عبر ترتيبات تجارية غير مباشرة، سواء بالمقايضة أو من خلال عمليات شراء تمر عبر شبكة من الشركات والوسطاء. ووفق المصدر، يُخصص جزء من الإيرادات لتوفير احتياجات عسكرية للحرس الثوري، فيما يُفترض تحويل جزء آخر إلى مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها شركة النفط الوطنية والجهات الاقتصادية الحكومية، لتغطية احتياجات العملة الصعبة والإنفاق المدني. إلا أن المصادر تزعم أن هذه الآلية شهدت خلال الأشهر الأخيرة اختلالات متزايدة، وأن أجزاء من الأموال المخصصة للمؤسسات الحكومية لم تُحوّل وفق المسارات المتبعة سابقًا. وأضافت أن بعض عائدات المبيعات لا تمر مباشرة عبر الصين، بل يجري تحصيلها أو إعادة توجيهها بواسطة وكلاء وشركات في دول إفريقية وجنوب شرقي آسيا، ضمن شبكة مالية وتجارية معقدة تهدف إلى تقليل قدرة العقوبات الأميركية على تتبع حركة الأموال. وبحسب المصادر، أتاح إحكام الحرس الثوري قبضته على أجزاء من شبكات التصدير والتحصيل والوسطاء نفوذًا واسعًا في تحديد كيفية توزيع الإيرادات، وسط تساؤلات عن مصير مبالغ كان يُفترض أن تدخل ضمن موارد الدولة لتغطية الإنفاق المدني. وتحدث أحد المصادر عن ملفات أخرى في قطاع الطاقة تتعلق بشبهات حول عائدات شحنات نفطية أُنجز بيعها وتحويل قيمتها، من دون أن تظهر لاحقًا بصورة واضحة في المخصصات والميزانيات المرتبطة بها. وأشار إلى أن طهران كانت، قبل تشديد العقوبات واتساع نطاقها، أكثر قدرة على تدوير الأموال بين المؤسسات والواجهات التجارية، إلا أن القيود المتزايدة على البنوك والشركات والموانئ وناقلات النفط ضيّقت مساحة الحركة ورفعت حدة التنافس بين الأطراف المستفيدة من هذه الشبكات. وتأتي الخلافات في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا معيشية واقتصادية متزايدة، انعكست في فترات مختلفة على سوق الوقود وتوافر المشتقات النفطية، وسط شكاوى من ازدحامات أمام محطات الوقود ونقص الإمدادات في بعض المناطق. كما أثارت خطط حكومية لإعادة تنظيم حصص الوقود المدعوم وتعديل آليات الدعم جدلًا واسعًا، في ظل الحساسية الاجتماعية المرتبطة بأسعار البنزين، أحد أبرز المنتجات المدعومة في الاقتصاد الإيراني. من جهته، قال القيادي في الجبهة الديمقراطية الشعبية الأحوازية طاهر أبو نضال لـ"إرم نيوز" إن العقوبات والضغوط الاقتصادية فاقمت الصراعات داخل مؤسسات الدولة الإيرانية، ولا سيما في القطاعات المرتبطة بمصادر الإيرادات الرئيسية، وفي مقدمتها النفط. واعتبر أن الخلافات لم تعد محصورة بالانقسام التقليدي بين المحافظين والإصلاحيين، بل امتدت إلى تنافس بين مراكز نفوذ داخل الأجهزة العسكرية والأمنية والاقتصادية على المواقع والموارد وشبكات المصالح. وأشار أبو نضال إلى أن مسؤولين وأعضاء في مجلس الشورى الإيراني تحدثوا خلال الفترة الأخيرة