عشرون عاماً مرّت على رحيل نجيب محفوظ (1911 - 2006)، ولا يكاد عام يمرّ من دون صدور دراسات جديدة تتناول منجزه أو سيرته من زوايا مختلفة، فيما تواصل رواياته وقصصه انتقالها إلى السينما والتلفزيون والمسرح والإذاعة، وتعود إلى المكتبات في طبعات ورقية ورقمية وترجمات بلغات شتى. ويحضر اسمه أيضاً في جائزتين أدبيتين، تمنح إحداهما مطبعة الجامعة الأميركية في القاهرة، فيما ينظّم المجلس الأعلى للثقافة في مصر الثانية. أجيال جديدة تدخل عالم محفوظ للمرة الأولى، وأخرى تعود إليه. في الذكرى العشرين لرحيله في 30 آب/أغسطس 2006، سألت "النهار" عدداً من الكتّاب والنقاد والناشرين عن أثره الممتد، هو الذي لم يتوقف عن التجدد خلال مراحل عدّة عرفها مشواره الأدبي قبل حصوله على جائزة نوبل عام 1988 وبعدها. نماذج إنسانية وشخصيات غادرت صفحاتها تردّ القاصة والروائية القطرية هدى النعيمي، الفائزة بجائزة "كتارا" للرواية العربية عام 2025 عن روايتها "زعفرانة"، استمرارَ حضور محفوظ إلى قدرته على ابتكار شخصيات إنسانية قابلة للحياة خارج زمنها الروائي. تقول: "رسم نجيب محفوظ بالقلم تفاصيل حياة المصري في حقبة محددة، فتعرّفنا إليها، وتعرّفت إليها أيضاً أجيال مصرية لم تعشها. حتى صار سي السيد، أحد أبطال الثلاثية، نموذجاً للتسلّط بصفته ربَّ أسرة، وللازدواجية بين حياة اللهو والعربدة خارج المنزل والمحافظة داخله". لكن محفوظ، وفق النعيمي، لم يقدّم نماذجه بوصفها تجسيداً لخير مطلق أو شر مطلق، بل كتبها بما تحمله النفس البشرية من تناقضات. ومن هنا، ظلّ "سي السيد" و"الست أمينة" وسواهما قادرين على عبور الزمن، باعتبارهم أنماطاً بشرية لا تزال قابلة للتعرّف إليها. الروائي المصري نجيب محفوظ. (باري إيفرسون) وتضيف صاحبة "ختم خزعل": "قبلنا تلك الشخصيات لأنها مكتوبة بالروح واللحم والدم، لا بالخيال وحده. قدّم محفوظ النموذج الإنساني الحي، القابل للتصديق والديمومة؛ لأنه الإنسان بخيره وشره، يعيش بيننا اليوم وغداً وبعد غد". ولا تفصل النعيمي بين رسوخ هذه الشخصيات وإخلاص صاحبها للكتابة، وتقول: "عاش ليشهد وفاة جمال عبد الناصر، وعاش عهد السادات بما يحمل من جدل، وإرهاصات سياسية واجتماعية شتى، انعكست أيضاً على الشارع وساكنيه وانعكست على كتاباته، وسيعيش حتى عام 2006، أربعاً وتسعين عاماً، مخلصاً لقلمه، وهو لم ييأس لمدة خمسة عشر عاماً في بداياته عندما لم يلتفت إليه ولا إلى أعماله أحد". وتسأل: "إن إخلاصه للكتابة الروائية جعله على قمة الهرم، فظل متواضعاً لا يرى نفسه إلا كاتباً وكفى، فكيف لأي كاتب عربي من أي جيل أن لا يحدد وقفته، وموقفه من نجيب محفوظ، ثم ينطلق؟ ". إذا كانت النعيمي تنطلق من حياة الشخصيات وامتدادها الإنساني، فإن الروائي المغربي محمد سعيد احجيوج ينظر بحذر إلى السؤال عن "مدرسة نجيب محفوظ"، ويرى أن هذا التعبير ينطوي على افتراض مضلل، كأن محفوظ كتب طوال حياته ضمن نموذج فني واحد. فصاحب "كافكا في طنجة" يذكّر بأن مسيرة محفوظ مرّت بمراحل متمايزة يسهل الفصل بينها. بدأ بالروايات التاريخية المستلهمة من العصر الفرعوني، في مرحلة امتدت نحو خمسة أعوام، قبل أن ينتقل إلى الواقعية الاجتماعية التي شغلت نحو اثني عشر عاماً من تجربته. وبعد توقفه عن الكتابة الروائية بضع سنوات، عاد بأعمال دشّنت مرحلته الرمزية والفلسفية، ثم مضى في مراحل لاحقة إلى استلهام التراث والتصوف وتجريب صيغ سردية أكثر اختزالاً وتركيباً. ويقول احجيوج إن المقصود غالباً عند الحديث عن "مدرسة نجيب محفوظ" هو مرحلته الواقعية تحديداً، حين رصد الحارة المصرية وتحولات الطبقة الوسطى في القاهرة، ورسّخ ما يمكن وصفه بالمرحلة الكلاسيكية في الرواية العربية. غير أن محفوظ نفسه، بحسب احجيوج، لم يبق أسير تلك المرحلة، بل تجاوزها إلى آفاق فنية أخرى. كما أن روائيي جيل الستينات، ومن بينهم صنع الله إبراهيم، تخطّوا بدورهم كثيراً من أنماط السرد التي سادت في الخمسينات. كاريكاتور نجيب محفوظ للبيروفي والتر توسكاناو. (الفنان) لذلك يرى أن من الغريب الحديث عن استمرار "أسر" نجيب محفوظ للرواية العربية، بينما هو نفسه قد تجاوز هذه المرحلة وعبر إلى آفاق فنية مختلفة. ويعتبر أنّه طالما أن هناك نقاد أو صحافيون يثيرون حتى اليوم هذا الموضوع، فإن ذلك يرجع إلى مصادفتهم روايات يرونها تنتمي إلى مدرسة نجيب محفوظ (ويقصدون مرحلة الكتابة الواقعية، أي الكلاسيكية) وهذا يعني شيئاً من إثنين: إما أن قراءاتهم محدودة، وإما أن الرواية العربية تعاني ركوداً يجعلها تعود، على الرغم من ظهور اتجاهات مختلفة منذ الستينات، إلى دفن نفسها في الكتابة الواقعية الاجتماعية. ولا ينكر احجيوج فضل محفوظ في تطوير هذه الكتابة ونقلها إلى مستوى جديد في الرواية العربية، لكنه يرفض اختزال منجزه فيها. ويخلص إلى القول: "بالنظ