خمس عواصم تتنافس على دمشق بهدوء الحساب الديبلوماسي؛ لاعبان وحدهما يتبادلان ضربات حقيقية: أنقرة وتل أبيب، فوق أرض لا تسيطر فيها الدولة على سمائها ولا تملك نفوذاً يكبح أياً من ضيفيها الثقيلين. خمس عواصم تتنافس على دمشق بهدوء الحساب الديبلوماسي؛ لاعبان وحدهما يتبادلان ضربات حقيقية: أنقرة وتل أبيب، فوق أرض لا تسيطر فيها الدولة على سمائها ولا تملك نفوذاً يكبح أياً من "ضيفيها" الثقيلين. بالكاد تخلصت سوريا من افتراس عائلة الأسد، حتى دخلت حلبة المفترسين الجدد. جوهر الخطر اليوم ليس في فاعل بعينه، بل في مستوى عدم اليقين الذي يلف وضعها بأكمله. تملك تركيا تأثيراً هيكلياً أعمق من أي راعٍ آخر: ضباط بجنسية تركية في القيادة العسكرية السورية، بينهم نائب القائد الأعلى؛ شركات أنقرة مهيأة لعقود الإعمار والطاقة؛ وطموح مغرٍ لحضور عسكري دائم، أبرزه قاعدة T4 في حمص، سرعان ما اصطدم بضربات إسرائيلية متكررة. وتضغط أنقرة للتحكم بدمج قوات سوريا الديموقراطية بما يخدم حساباتها، محوّلة ملف الشمال الشرقي إلى ورقة إضافية بيدها، فيما يحوّل ثلاثة ملايين لاجئ سوري على أراضيها قضيتها السورية إلى حسابٍ انتخابي، لا مجرد استراتيجيا بحتة. إسرائيل، الأكثر صراحة في عدائها، تستهدف بضرباتها المنهجية — وأبو الظهور واحدة منها فقط — كل قدرة جوية يمكن لأنقرة توظيفها، فيما توسّع منطقتها العازلة في الجولان ، في لعبة قط وفأر مع ترامب نفسه. ومع ذلك تتفاوض تل أبيب ودمشق على منطقة منزوعة السلاح، بينما تُستبعد سيادة الجولان من الطاولة أصلاً. "لست ساذجاً؛ أنا أعرف مع من أتعامل"، قالها نتنياهو عن الشرع — جملة تختزل قراءة تل أبيب للسلطة السورية بوصفها قوة جهادية، مهما تبدل خطابها. لكن حيثيات الصراع تخفي دوافع أعمق من الأيديولوجيا: مع انحسار موقع موسكو ، تعتقد أنقرة أنها قادرة على أن تحل محلها وسيط قوة مهيمناً على مسارات الطاقة الإقليمية، حارساً يقتطع حصته من ثروة الإقليم. في اقتصاديات الطاقة وليس في العقيدة، تصطدم المصلحتان التركية والإسرائيلية.