على عَكْسِ المسافة الجغرافية البعيدة عن اليمن، الذي يستعدّ لـ «فجر» جديد، فإن عناوين معركة «إنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية»، والمكسب الإستراتيجي الذي شكّله استردادُ باب المندب، بدت بيروت وكأنها على «مسافة صفر» مع تحدياتٍ توائم تواجه الشرعيةَ اللبنانية في سعيها إلى استعادة مفاتيح سيادتها وسيطرتها على قرارات الحرب والسلم من يد «ذراع شقيقة» للحوثيين يمثّلها «حزب الله». وليس وحده التشابه في التوصيفِ والوظيفةِ بين الحوثيين وحزبِ الله، هو الذي فرض اهتماماً عالياً في بيروت بالحدَثِ اليمني، الذي يؤشرُ لوجودِ قرارٍ كبيرٍ إقليميٍّ ودوليٍّ بـ «إنجازِ المهمة»، بل إنَّ أبعادَ هذه العمليةِ الجذريةِ شكّلتْ العنصرَ الأبرزَ في الانشدادِ اللبناني إلى الهجومِ المضادِ الذي أُطلقَ ضدَّ الميليشيا المدعومةِ من طهران والتي أمعنت في عدوانِها الغاشمِ على المملكةِ العربيةِ السعودية، وأرادتْ المساهمة في فَرْضِ طوقٍ على الاقتصادِ العالمي مضادّ للحصارِ الحديدي الذي تواجههُ إيران، وتالياً محاولةَ إرساءِ ردْعٍ في حربِ المضائقِ والبحار. وأعمق من الهدف البديهي لـ «فجر اليمن»، الرامي إلى مساعدةِ الشرعيةِ على تثبيتِ أقدامِها واستردادِ المناطقِ الخاضعةِ لسيطرةِ الحوثيين وتحريرِ صنعاء، فإنَّ هذه العملية المدعومة من واشنطن وفقَ تصريحاتِ وزيرِ خارجيّتِها ماركو روبيو، تعكسُ أنَّ زمنَ «الدولِ بلا ميليشياتٍ» قد حان، وأنَّ هذا المسارَ المتدحرجَ لا عودةَ عنه، وذلك في سياقِ حمايةِ استقرارِ الإقليمِ وفرضِ احترامِ سيادةِ دولِ المنطقةِ، وإنهاءِ عصرِ اللعبِ بأمنِها القومي والتلاعبِ بمصيرِ شعوبِها.وإذ تقعُ التطوراتُ المتسارعةُ في اليمن على التقاطعِ نفسِهِ مع حربِ إيران، التي تُفَعِّلُ أذرعَها كخطوطِ دفاعٍ متقدمةٍ عنها، فإنَّ وهجَ المعركةِ ضدَّ الحوثيين طرقَ سريعاً بابَ لبنانَ الذي صار أمامَ هوامشَ أضيقَ في مسارِ حصرِ السلاحِ الذي باتَ استحقاقاً ضاغطاً لا مفرَّ منه. وفيما ارتسمَ من خلفِ دخانِ «فجر اليمن» سيناريو «آخِر الدواءِ الكيِّ» لإنهاءِ حالةٍ تحوّلت خطراً انتهكَ سيادةَ وأمنَ الإقليم، فإنَّ استبعادَ نموذجٍ مماثلٍ في «بلادِ الأرز» في ما خصَّ سلاح حزبِ الله - في ضوءِ خصوصياتِ الواقعِ اللبناني والعاملِ الإسرائيلي الذي جعلَ الدولةَ بين ناريْ احتلالٍ جديدٍ مرشّحٍ للتوسعِ لأجزاءِ واسعةٍ من الجنوبِ وتَمَسُّكِ الحزبِ بترسانتِه مهما كان الثمنُ الداخلي - لا يقللُ إطلاقاً من التحدي الذي يشكلُه للدولةِ اللبنانيةِ ارتفاعُ راياتِ الشرعيةِ من اليمنِ بالقوة، وصولاً إلى العراقِ بأدواتٍ محليةٍ ناعمة. وفي موازاةِ حَبْسِ الأنفاسِ حيالَ الخطوةِ التاليةِ المحتمَلةِ للحوثيين، والخشيةِ من اعتمادِهم سياسةَ «وبعدي الطوفان»، كما حيالَ ردِ فعلِ إيران على تحولٍ ينذرُ بارتداداتٍ إضافيةٍ على محورِها المتصدّعِ منذ سقوطِ «جدارِ برلين» السوريّ مع نظامِ الأسدِ البائدِ وضمورِ حزبِ الله عسكرياً في ضوءِ نتائجِ حربيْ 2024 و 2026، فإنَّ لبنانَ بدا أمامَ «ساعةِ رملية» قُلِبَتْ في ما خصَّ ملفَ السلاح، وسطَ اعتبارِ أوساطٍ مطلعةٍ أنَّ على الدولة كما الحزب الاتعاظَ من مشهدِ اليمنِ والمسارعِة إلى الانتظامِ فعلاً لا قولاً فقط تحتَ سقفِ «دولِ الشرعياتِ» التي لا «إشراكَ فيها» سيادياً مع أيِّ مجموعاتٍ خارجَها. وتُقرُّ هذه الأوساط بأنَّ الدولةَ اللبنانيةَ قد تجدُ نفسَها أمامَ تعقيداتٍ إضافية، هي التي تمسكُ بورقةِ المفاوضاتِ المباشرةِ مع تل أبيب باعتبارِها تحصيناً لمؤسساتِها ومرافقِها ولِما باتَ يوصفُ في الصالوناتِ بأنَّه «لبنان المفيد» من أيِّ عاصفةِ نارٍ إسرائيليةٍ جديدة، وفي الوقتِ نفسِه تُحاذِرُ الاصطدامَ بحزبِ الله لسحْبِ سلاحِه، مُحاوِلةً تفعيلَ إستراتيجيةِ سحْبِ الذرائعِ عبرَ تسريعِ وتيرةِ الانسحابِ الإسرائيليّ جنوباً بموجبِ جدولٍ زمنيٍّ تنفيذيٍّ للاتفاقِ الإطارِ الثلاثيِّ، كي تبررَ وضعَ جدولٍ موازٍ بحصْرِ السلاحِ وفقَ بَرْمَجَةٍ كانت اعتمدت في القراراتِ الحكوميةِ الناظمةِ لهذا الملف (أغسطس وسبتمبر 2025) والتي ارتكزتْ على اتفاقِ الطائفِ (1989) لتأكيدِ أنَّ هذا المسارَ ليس مربوطاً بأيِّ ضغوطٍ أو مطالبَ خارجية، بل بتطبيقٍ متأخرٍ لوثيقةِ الوفاقِ الوطنيِّ. وتخشى الأوساطُ عَيْنُها، بعدَ أن تفقدَ ورقةُ الحوثيينَ قيمتَها، أن تعاودَ إيران تنشيطَ «ذراعِها الجريحة»، أيَّ حزبِ الله، لمحاولةِ تخفيفِ الأضرارِ وتعزيزِ حظوظِ صمودِها بوجهِ الخَنْقِ الاقتصاديِّ الذي تواجهُه، خصوصاً في ظلِّ التحفّز الإسرائيلي لإكمالِ المهمةِ ضدَّ الحزب، وهو ما كررَه بنيامين نتنياهو اليوم الاثنين، خلالَ إحياء ذكرى هجماتِ السابعِ من أكتوبر، حيثُ أكدَ أنَّ تل أبيب ستواصلُ ضربَ حزبِ الله، مشيراً في الوقتِ نفسِه إلى رغبتِه في إتاحةِ فرصةٍ ل