موسم التفاح هذا العام وافر وكريم، لكنه، بقدر ما يحمل ثمارًا، يحمل تحديات. إنتاج يُقدَّر بنحو 200 ألف طن يفتح الباب على تساؤلات حول قدرة لبنان على استيعاب هذا المحصول وتسويقه وتصريفه في الوقت المناسب. السوق المحلية وحدها لا تستهلك هذه الكمية، وباب التصدير مفتوح، لكن دونه عقبات، والمنافسة في الأسواق الخارجية قوية. ومع ارتفاع كلفة التوضيب والنقل والتبريد، يقف المزارع، كما التاجر والمصدّر، خائفًا على مصير موسمه. وزارة الزراعة تتحرك بزخم لإنقاذ الموسم، وبين حملات تسويقية في الإعلام وعلى مواقع التواصل لحث اللبنانيين على التعلق بتفاحهم ووضعه في صلب عاداتهم الغذائية، وبين محاولات لفتح أسواق جديدة وتوسيع الصادرات إلى مصر والأردن والعراق والخليج وإيجاد حلول عملية لكلفة التخزين والتبريد والشحن لا يبدو التفاح متروكًا، لكن نجاح الموسم على المحك لا سيما إذا استمر ارتفاع سعر المحروقات ومعه كلفة التخزين والتصدير. بعد ثلاث سنوات من تراجع موسم التفاح بسبب المناخ والجفاف عاد الموسم وفيرًا هذه السنة، يشبه إلى حد ما موسم 2019، ليس موسمًا استثنائيًا كما يؤكد المزارعون لكنه واعد. فتحُ طريق البر للتصدير وفتح السوق السعودي أمام المنتجات اللبنانية، فتحَ طاقة أمل لتصريف بعض من موسم التفاح. وزير الزراعة د. نزار الهاني يأمل في تنويع التصدير وعدم حصره بدولة واحدة، كما كان الأمر عام 2019، حين استوعبت مصر الجزء الأكبر من الإنتاج اللبناني. اليوم، تسعى وزارة الزراعة إلى توزيع الإنتاج بين خمس أو ست دول، ما يعني تصريفًا أوسع وسعرًا أفضل للمنتج وللمزارع اللبناني. لكن الوزير يدرك جيدًا أن التحدي الأكبر الذي يواجه موسم التفاح اليوم يكمن في ارتفاع كلفة المازوت والبنزين، وبالتالي كلفة النقل والتبريد. ويشرح لـ"نداء الوطن" أنه جرت العادة على تصريف التفاح بتمهّل، حيث يُخزَّن أولًا في البرادات، ليتمّ شحنه تباعًا من أيلول وتشرين الأول حتى نهاية العام، وامتدادًا إلى شهر كانون الثاني. إلا أن الخطة هذا العام تتجه نحو محاولة تصدير أكبر كمية ممكنة بشكل مباشر، من دون الحاجة إلى تخزينها في البرادات، نظرًا إلى الارتفاع الكبير في كلفة التبريد، حيث تصل كلفة الصندوق الواحد إلى ما بين 4 و5 دولارات، وهو ما يعادل ثلث سعر التفاح أو ربما أكثر. في هذا السياق، يشكو المزارعون من أنه، بين كلفة التوضيب في الصناديق البلاستيكية، واللفّ بالورق والحبال، وكلفة النقل والتخزين في البرادات، قد تصل كلفة كل صندوق تفاح إلى 8 دولارات، أي ما يعادل ثمنه، ما يجعل ربح المزارع صفرًا. ويقول فريد رحمه، وهو أحد مزارعي التفاح في عيناتا، إن المزارع هو الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة تمتد منه إلى التاجر والمصدّر وصاحب البراد. لذلك، على الدولة دعم مزارع التفاح أولا، عبر تخفيف تكاليف الإنتاج من ريّ وسماد وأدوية ومبيدات، وحمايته من التجار والسماسرة، ودعم التعاونيات الزراعية في المناطق، ومعالجة كلفة التبريد بشكل خاص. فمصير المزارع، في النهاية، ليس مرتبطًا بقدرته على الإنتاج، فأرضنا كريمة، كما يقول رحمه، والمطر جاء غزيرًا هذه السنة. لكن أزمة التفاح لا يمكن تحميلها لطرف واحد، وسلسلة التسويق كلها معنية، ومصيرنا مرتبط بقدرة الحكومة على تصريف الإنتاج لتأمين استمرارية هذا القطاع الذي يعاني منذ سنوات عدة، ولجم جشع التجار وأصحاب البرادات. استهلاك السوق اللبنانية من التفاح، بحسب أرقام وزارة الزراعة، لا يبلغ إلا 80 إلى 100 طن يوميًا، أما التصدير فقد وصل، في بعض المراحل، إلى نحو 2000 طن يوميًا. وكانت مصر تحتل المركز الأول، مع استيرادها ما يقارب 80% من التفاح اللبناني. ولكن إلى أي مدى يمكن للتفاح اللبناني أن يعتمد على سوق واحدة؟ من هنا، يأتي السعي اليوم إلى توسيع الأسواق الخارجية. وفي هذا السياق، يؤكد الوزير الهاني أنه قام بزيارة إلى العراق لبحث زيادة صادرات التفاح إلى السوق العراقية، والتقى بالمستوردين للسعي إلى معالجة بعض المشاكل بين المصدّر والمستورد، وأهمها المصاعب اللوجستية والتحويلات المالية، التي تقف صعوبتها عائقًا أمام تسهيل عملية التصدير وقدرة التجار اللبنانيين على تحصيل مستحقاتهم. كما قام الوزير بزيارة إلى الأردن لهذا الغرض، وكشف لـ"نداء الوطن" عن خطة لزيارة ليبيا بعد أن فُتحت أسواقها أمام التفاح اللبناني. وهنا لا بد من الإشارة إلى خطوة مهمة قدّمتها شركة الشحن CMA CGM، حيث قامت بتخفيض أسعار النقل البحري إلى ليبيا استجابةً لطلب المصدّرين، الأمر الذي يعزّز القدرة التنافسية للإنتاج اللبناني في الأسواق الخارجية، ويجعل القطاع الخاص سندًا للقطاع الزراعي. وفي حديثه، أضاف الوزير الهاني أنه بصدد زيارة المملكة العربية السعودية منتصف هذا الشهر. وختم بالإشارة إلى مشاركته في اجتماع مرتقب في إسبانيا مع وزير الزراعة هناك، بالت