في وقت لم تستقر فيه بعد معادلة ما بعد الحرب في الجنوب اللبناني، يتقدّم ملف قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» إلى الواجهة مجدداً، مع اقتراب الموعد الذي حدده مجلس الأمن لإنهاء ولايتها والبدء بانسحابها التدريجي. وفي المقابل، تتحرك كتل نيابية لبنانية لإعادة فتح النقاش حول القرار 2790، محذّرة من أن تطبيقه في الظروف الحالية قد يترك الجنوب أمام فراغ أمني لا تملك الدولة اللبنانية، القدرة الكاملة على ملئه بعد. وتحوّل هذا الملف إلى عنوان سياسي ودبلوماسي، بعدما وقّع 86 نائباً كتاباً يطالب بإعادة النظر في آلية الانسحاب، فيما عُقد الاثنين مؤتمر صحافي نيابي لاستكمال هذا المسار، وإعداد مذكرة حقوقية تُرفع إلى الجهات المعنية، في محاولة للضغط باتجاه تعديل القرار أو على الأقل إعادة النظر في توقيته وآليات تنفيذه. يعتبر مقدمو الطلب أن خروج «اليونيفيل» من مناطق لم تستعد الدولة اللبنانية سيادتها عليها قد يؤدي إلى نتيجة تتناقض مع الغاية التي قامت من أجلها القرارات الدولية ذات الصلة. ولا ينفصل ذلك عن الوضع الميداني القائم في الجنوب، حيث لا تزال حالة «اللاحرب واللاسلم» تحكم المشهد. فلا حرب شاملة قائمة، ولا تسوية نهائية أنتجت واقعاً أمنياً مستقراً، فيما تستمر المخاوف من توسع السيطرة الإسرائيلية أو انتقال المواجهة إلى مستويات جديدة. لذلك، يرى النواب أن تنفيذ قرار الانسحاب في هذه المرحلة يسبق استكمال الشروط الأمنية والميدانية التي يفترض أن تواكب انتقال المسؤوليات إلى الدولة اللبنانية، بما قد يفتح الباب أمام فراغ أمني في مناطق لا تزال أوضاعها غير مستقرة، ويضع الجيش اللبناني أمام مسؤوليات تفوق قدرته الحالية على الانتشار والاستلام الكامل. في خلفية التحرك النيابي، يحضر العامل الأميركي بوضوح. ويقول النائب إبراهيم منيمنة لـ«المدن» إن «الضغط الأميركي واضح جداً» في اتجاه تنفيذ قرار انسحاب «اليونيفيل»، معتبراً أن المطلوب لبنانياً هو إنذار مجلس الأمن والجهات المعنية بمخاطر وقف مهمة القوة الدولية في الظروف الحالية. لا يرى منيمنة أن بإمكان لبنان الذهاب أبعد من خطوات الضغط السياسي والدبلوماسي المتاحة حالياً، ولذلك تتركز الجهود على المذكرة الجديدة وعلى إيصال رسالة واضحة بشأن تداعيات الانسحاب. أما طرح قوة متعددة الجنسيات بديلة عن «اليونيفيل»، فلا يبدو بالنسبة إليه خياراً سريعاً أو عملياً، إذ يحتاج إلى بنية تحتية وإمكانات مالية كبيرة لتشكيل قوة جديدة، في وقت لا يزال فيه الجنوب يعيش تداعيات الحرب. وبذلك، لا يدور النقاش فقط حول قرار دولي، بل حول قدرة لبنان على التأثير في مسار دولي يبدو أن له اتجاهه الخاص. في المقابل، يضع بعض النواب مسألة دعم الجيش اللبناني في قلب النقاش. فالمطالبة ببقاء «اليونيفيل» لا يفترض أن تعني، بالنسبة إلى النائب نجاة عون، التخلي عن هدف استعادة الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة على أراضيها. وتقول عون لـ«المدن» إن الحكومة أظهرت إصراراً على بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وإن الموقف المعلن من الأمم المتحدة أيضاً يتمسك بهذا الاتجاه. لكنها تشدد في الوقت نفسه على ضرورة دعم الجيش، ولا سيما من خلال زيادة المخصصات المالية التي تمكّنه من استعادة قرار الدولة وفرض سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية. وهنا تتقاطع قضية «اليونيفيل» مع واحدة من أكثر المسائل حساسية في المرحلة الحالية: حصر السلاح بيد الدولة. فالدولة اللبنانية تخوض، سياسياً، مساراً لتكريس سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، فيما لا يزال الجنوب تحديداً ساحة اختبار لهذه القدرة. وبالتالي، فإن تعزيز الجيش ليس بديلاً عن دور القوة الدولية بالضرورة، بل يفترض أن يكون جزءاً من الطريق الذي يسمح للدولة لاحقاً بتسلّم المسؤوليات التي تقوم بها «اليونيفيل». الجانب الأكثر مباشرة في المعادلة يتعلق بسكان القرى الجنوبية الذين لا يزالون متمسكين بالبقاء في مناطقهم. النائب ملحم خلف يحذّر، في حديث لـ«المدن»، من أن انسحاب «اليونيفيل» في هذه المرحلة سيكون له «تداعيات دراماتيكية»، مشيراً إلى أن القوة الدولية لم تكن تؤدي دوراً أمنياً فقط، بل ساهمت أيضاً في تأمين الطرق والممرات الإنسانية لأهالي القرى الصامدة. وبحسب خلف، فإن غيابها قد يعرّض المدنيين لمخاطر كبيرة، خصوصاً في مناطق تحتاج فيها القرى إلى ممرات آمنة للتواصل مع الداخل اللبناني. ويشير إلى أهمية الدور الذي أدته «اليونيفيل» في تأمين التواصل وفتح الممرات بين قرى مثل تبنين وعين إبل ورميش والمناطق المحيطة بها، محذراً من أن إغلاق هذه الممرات أو فقدان الجهة الدولية التي تؤمّنها قد يضع السكان أمام واقع أكثر خطورة. وهنا تتجاوز المسألة حدود انتشار قوة عسكرية دولية، لتطال مباشرة واقع القرى الجنوبية التي لا يزال أهلها متمسكين بالبقاء فيها. فانسحاب «اليونيفي