القوات البديلة لليونيفيل في جنوب لبنان بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني تتقاطع التحركات الدبلوماسية الراهنة عند لحظة إقليمية فارقة تُعيد تشكيل الخرائط الأمنية على طول الحدود الجنوبية للبنان، حيث لم يعد النقاش الدولي المدار خلف الأبواب المغلقة ينصبّ على مجرد ترميم آليات المراقبة التقليدية أو إدخال تعديلات شكلية على قواعد الاشتباك الخاصة بقوات “اليونيفيل”. إن التسريبات القادمة من دوائر القرار تكشف عن تحول بنيوي في التعاطي مع هذا الملف، يتجاوز منطق إدارة الأزمات العابرة نحو بلورة ترتيبات أمنية واستراتيجية جديدة تضع المؤسسة العسكرية اللبنانية في صلب المعادلة. وتنطلق هذه المقاربة الدولية الحديثة من التزام صريح بإنهاء حالة السيولة الميدانية، عبر ربط أي دعم واستثمار سياسي أو لوجستي بالقدرة الفعلية للشرعية اللبنانية على الانتقال من موقع إدارة الحضور الشكلي إلى موقع ممارسة السيطرة الناجزة، وإسقاط ذرائع العجز الذاتي من خلال خطوات عملية تستعيد عبرها الدولة حصرية القرار والأمن على كامل ترابها الوطني. ويتأسس هذا التصور الاستراتيجي على خطة مرحلية تدريجية تربط أي دعم دولي للمؤسسة العسكرية بمعايير أداء قياسية ومخرجات عملية على الأرض. وتبدأ أولى هذه مراحل التحديث بالتركيز على رفع جاهزية وحدات عسكرية نخبوية ومختارة من الجيش اللبناني، بالتوازي مع إجراء مسح شامل ورسم خريطة تفصيلية للبنية التحتية العسكرية غير الرسمية في الجنوب، لإعداد خطة محكمة لنشر القوات وتكثيف حضورها بهدف التعامل المنهجي مع القواعد التسليحية والمواقع التي قد تُستخدم لشن هجمات، ونقل كافة الأسلحة والمعدات إلى سلطة الشرعية. لتأتي بعد ذلك المرحلة الثانية التي تتولى توسيع نطاق مسؤوليات الجيش اللبناني ميدانياً بالتزامن مع انسحاب قوات العدو الإسرائيلي من مواقعه، بحيث تتقدم القوات الوطنية لتغطية أي فراغ أمني محتمل والاستفادة من التحولات الميدانية القائمة لفرض الواقع العسكري الرسمي. وتكتمل الصورة في المرحلة الثالثة بحلول الجيش اللبناني بشكل كامل كقوة أمنية حصرية ومطلقة في الجنوب، مع تقليص الآلية الدولية الحاضنة لوجودها ودورها تدريجياً حتى اختفائها. وفي هذا السياق، يتضح أن الرؤية الدولية لا تتطلع إلى استبدال قوات اليونيفيل بانتشار عسكري أجنبي جديد في البلدات والقرى الجنوبية، بل تهدف إلى إنشاء آلية دعم تقنية ولوجستية ينحصر دورها في تدريب الجيش وتجهيزه وتنسيق عمليات نشره ومتابعة تنفيذ جدول الأعمال التكتيكي. ولعل التحول الأكثر راديكالية في هذا التصور يتمثل في تجاوز واعتبار الخط الأزرق مجرد نقطة مرجعية لإدارة التباينات وتجنب الاحتكاك المباشر، بدلاً من اعتماده كجوهر للمفهوم الأمني الشامل؛ حيث بات التركيز ينصب مباشرة على هوية الطرف المنسق والمسيطر فعلياً على الأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني ومدى قدرة السلطة الرسمية على منع القوى غير الحكومية من إعادة بناء بنيتها العسكرية. كما تتطرق هذه الخطط إلى حسم مستقبل مقار القوات الدولية والمراكز اللوجستية التابعة لليونيفيل، عبر نقل جزء منها إلى القوات المسلحة اللبنانية واستغلال الجزء الآخر مؤقتاً لصالح آلية الدعم الجديدة، لمنع حدوث أي فجوة زمنية أو أمنية خلال عملية الانتقال التنفيذي. غير أن الانتقال نحو هذا النموذج البديل والأكثر فاعلية يصطدم بجملة من التحديات المعقدة والمعوقات السياسية على الساحة المحلية والدولية. فمن جهة، يتطلب نجاح هذا المسار توفير الغطاء السياسي الجامع للمؤسسة العسكرية لتأدية مهامها الوطنية وحماية الاستقرار الداخلي من التجاذبات. ومن جهة أخرى، يبرز التحدي اللوجستي المتمثل في تأمين التمويل المستدام والتجهيزات الحديثة التي تسمح للجيش بالسيطرة على المساحات الحدودية وتتبع التحركات الميدانية بكفاءة عالية. وتزداد هذه التحديات تعقيداً في ظل الضغوط والتهديدات المتصاعدة من قبل العدو الإسرائيلي، حيث ينطوي التلويح بالتصعيد على مؤشرات قوية تؤكد توجه الاحتلال نحو استخدام أدوات الضغط الميداني لإرغام الأطراف على التجاوب مع الترتيبات الأمنية وفرض خياراته بالقوة. إن المقاربة المطروحة تتعدى كونها مجرد ترتيبات أمنية تتيح للعدو الإسرائيلي سحب قواته وتوفير الأمان لمستوطناته الشمالية، لتطرح أمام بيروت فرصة لاستعادة السيادة الفعلية وبسط السلطة الوطنية كمدخل إجباري للتعافي السياسي والاقتصادي، وإحباط أي مخططات للتعدي على الأراضي اللبنانية. كما تمنح المجتمع الدولي مخرجاً لمنع خروج الأوضاع عن السيطرة، وتوجيه الموارد نحو بناء مؤسسات دفاعية لبنانية قادرة على تثبيت الاستقرار. وفي نهاية المطاف، يبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة الجيش اللبناني على إثبات فاعليته الميدانية،