يأتي تقرير وكالة الطاقة الدولية الصادر خلال شهر أيلول المنصرم، وعلى أبواب فصل الشتاء، ليدق ناقوس الخطر بشأن واقع سوق النفط العالمي، مُنذرا بتراجع حاد في صادرات المازوت من الشرق الأوسط وروسيا بنحو 75% خلال عام واحد. ويوضح التقرير أن الأسواق العالمية تفقد حاليا نحو 500 ألف برميل يوميا من الإمدادات جراء الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار العمليات العسكرية في مضيق هرمز، مما انعكس مباشرة على سلامة وقدرات منشآت الإنتاج والتكرير. وبشكل صريح، يعلن التقرير أن أسواق المشتقات النفطية تتجه نحو ضغوط متزايدة مع تفاقم شحّ المازوت وتراجع إمدادات كبار المنتجين، في وقت تجاوز فيه سعر طن الديزل حاجز 1500 دولار أميركي خلال أيلول أي ما يزيد على 200 دولار للبرميل مما يضع الاقتصاد العالمي أمام مواجهة مباشرة مع تداعيات هذه الأزمة المتصاعدة. وتكمن الخطورة الكبرى في أن انعكاسات هذا الشح لن تقف عند حدود أسواق الطاقة، بل يمتد أثرها المباشر إلى مختلف أوجه النشاط الاقتصادي، إذ يشكّل المازوت نحو 30% من الاستهلاك العالمي للنفط، ويُعدّ المحرك الأساسي لقطاعات الشحن، والنقل، والزراعة، والصناعة، وتوليد الكهرباء. ومع تزامن هذا التراجع الحاد في الإمدادات مع تعرّض القدرات التكريرية الروسية لضربات متتالية ودراسة واشنطن تقييد صادراتها، تتزايد المخاوف من تسرّب هذه الصدمة السعرية لتتحوّل إلى موجات تضخمية طاحنة يمتد تأثيرها إلى الاقتصادات المستوردة وعلى رأسها لبنان لتضع القدرة الشرائية والمستويات المعيشية أمام اختبار في غاية الصعوبة. من هذا المنطلق، تؤكد المنسقة الوطنية لتحالف حوكمة الطاقة والعضو في شبكة العدالة في إدارة الموارد، ديانا القيسي، في حديث لصحيفة «اللواء»، أن «التقرير الأخير لوكالة الطاقة الدولية أظهر تراجعا ملحوظا في صادرات الديزل والغاز أويل القادمة من الشرق الأوسط وروسيا خلال شهر آب الماضي، حيث انخفضت إلى نحو 520 ألف برميل يوميا، ما يمثل هبوطا بحوالي 75% مقارنة بمستوياتها في الفترة نفسها من العام السابق». معتبرة أن «رقم الـ520 ألف برميل لا يعبّر عن حجم النقص في السوق، بل يمثل المتبقي فعليا من حجم الصادرات. وبمقارنة هذه الخسارة بشهر شباط، يتبين أن حجم التراجع يبلغ نحو 1.6 مليون برميل يوميا». وتشير إلى أن «الأزمة الراهنة لم تعد تقتصر على مدى توفر النفط الخام فحسب، بل أصبحت تتجه نحو تعقيدات أعمق تتعلق بعمليات التكرير ونقل المشتقات النفطية». واستشهدت بالوضع في منطقة الخليج العربي، «حيث أدّت المخاطر الأمنية في مضيق هرمز وتعطيل حركة الناقلات إلى ارتفاع قياسي في تكاليف التأمين والشحن، ما فاقم من حدّة الضغوط على أداء السوق». وتلفت القيسي إلى أنه «على الرغم من قدرة الدول المنتجة للنفط على تحويل جزء من الخام عبر خطوط وأنابيب بديلة، إلّا أن مرونتها الإمدادية في التعامل مع المشتقات المكررة والديزل جاءت أقل بكثير مقارنة بالكميات التي كانت تتدفق سابقا، وهو ما شكّل النواة الأساسية للازمة الحالية». وفي السياق نفسه، تطرقت إلى المشهد الروسي، موضحة أن «الضربات الأوكرانية المتكررة على المصافي الروسية تسببت في تقليص قدرتها التكريرية والإنتاجية، ما انعكس بدوره ضغطاً إضافياً على الإمدادات العالمية». مشيرة إلى أنه «ورغم التحسّن الملموس في تدفقات النفط الخام من الشرق الأوسط خلال شهر أيلول، إلّا أن أزمة المشتقات النفطية لم تجد طريقها إلى الحل بالسرعة ذاتها، وهو ما يفسر حالة الاستقرار النسبي في أسعار الخام بالتوازي مع الارتفاع المتواصل في أسعار المازوت». وفيما يتعلق بالتسريبات حول إمكانية فرض حظر أميركي على تصدير المازوت لمدة 90 يوما، ومدى قدرة المصافي الآسيوية والصينية على سد الفجوة التي قد تنجم عن ذلك والبالغة نحو 500 ألف برميل يوميا، توضح القيسي أنه «لم يصدر حتى الساعة أي قرار رسمي بهذا الشأن. وهذا الخيار طُرح للنقاش داخل الإدارة الأميركية وتم نفيه لاحقا كقرار جاهز للتنفيذ، قبل أن يعود الرئيس دونالد ترامب ويؤكد أن الفكرة ما زالت قيد التداول، ما يفرض التعامل مع هذا الطرح كسيناريو محتمل وليس كواقع مفروض». وتحذّر القيسي من أنه «في حال إقرار هذا الحظر الشامل، فإن التأثير المباشر على المدى القصير سيتجلّى في زيادة المعروض المحلي داخل السوق الأميركية وانخفاض الأسعار هناك، لكن هذه الأزمة ستُصدَّر عملياً إلى باقي دول العالم. فالتداعيات قد ترتد عكسيا على الداخل الأميركي على المدى المتوسط، وذلك في حال امتلاء خزانات التخزين واضطرار المصافي إلى تقليص مستويات تشغيلها». وحول مدى قدرة الصين وباقي الدول الآسيوية على امتصاص الصدمة، تلفت إلى أن «هذه الدول تمتلك بالفعل طاقات تكريرية ضخمة يمكن أن تساهم في التخفيف من حدة الأزمة، إلّا أنها لا تشكّل حلا سريعا أو مضمونا لكبح تدا