لم تعد المياه الجوفية في سوريا مجرد مورد احتياطي تلجأ إليه البلاد في سنوات الجفاف، بل تحولت تدريجياً إلى خط دفاع أساسي أمام تراجع الموارد السطحية، في وقت تظهر فيه مؤشرات إلى أن عدداً من الأحواض بدأ يتجاوز الحدود الآمنة للسحب. وتتزامن هذه الضغوط مع تراجع الهطولات المطرية وتغيّر نمطها وشدّتها زمانياً ومكانياً، وتوالي سنوات الجفاف، وانخفاض الواردات المائية السطحية وتراجع تخزين السدود، ما يدفع إلى مزيد من الاعتماد على المخزون الجوفي لتأمين حاجات الزراعة ومياه الشرب. وانطلقت صباح الإثنين في المركز الوطني للسياسات الزراعية في ريف دمشق أعمال الورشة التدريبية الإقليمية "تقييم تأثير تغير المناخ على موارد المياه الجوفية"، التي ينظمها المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة "أكساد"، بالتعاون مع مكتب منظمة اليونسكو الإقليمي في بيروت ووزارة الزراعة، بمشاركة متدربين من سوريا وفلسطين ولبنان والعراق والأردن. المياه الجوفية تحت ضغط المناخ والسحب وتناقش الورشة، على مدار أربعة أيام، تأثير التغير المناخي على موارد المياه الجوفية، مع التركيز على النمذجة الهيدرولوجية وبناء النماذج ومعايرتها وتشغيلها، إلى جانب تمارين عملية وزيارات ميدانية. وتنعقد الورشة في وقت تتزايد فيه الفجوة بين كميات المياه التي تدخل الأحواض وتلك التي يجري سحبها منها. وقال المدير العام للمركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة "أكساد"، الدكتور نصر الدين العبيد، لـ"المدن"، إن عدداً من الأحواض المائية في سوريا يشهد استنزافاً متزايداً بفعل سنوات الجفاف وتراجع الواردات السطحية وانخفاض مخزونات السدود، ما رفع الاعتماد على المياه الجوفية. وأوضح أن السحب في بعض الأحواض تجاوز المستويات المسموح بها، ما يهدد المخزون الجوفي على المدى الطويل. وبحسب الموازنة المائية للعام الهيدرولوجي 2024–2025، بلغ إجمالي السحب من المياه الجوفية لمختلف الاستخدامات نحو 6 مليارات متر مكعب، فيما لم تُحتسب بعد موازنة الموسم الحالي 2025–2026. وتبرز أحواض بردى والأعوج، واليرموك، والعاصي بين المناطق الأكثر تعرضاً للاستنزاف. ويرى العبيد أن استمرار السحب فوق قدرة الأحواض على التجدد يعني أن المشكلة لم تعد مجرد نقص موسمي تسببه سنوات الجفاف، بل بدأت تمس المخزون الجوفي نفسه. ويدعو العبيد إلى إدارة المياه وفق موازنات دورية لكل حوض، تحدد كميات التغذية ومعدلات السحب الآمنة، إلى جانب تشديد الرقابة على الآبار وتنظيم استخدامها. وأوضح العبيد أن "أكساد" عمل على إعداد الاستراتيجية العربية للأمن المائي في المنطقة العربية وخطتها التنفيذية، لمواجهة التحديات المائية وتعزيز متطلبات التنمية المستدامة حتى العام 2030. ويضع ممثل منظمة اليونسكو في بيروت نزار حسن المشكلة في سياق المناخ المتغير. وقال لـ"المدن" إن تغير المناخ لا يعني انخفاض كمية الأمطار فقط، بل تغير توقيتها وتوزعها وشدتها، وهو ما يؤثر في مصادر المياه، ومنها معدلات تغذية المياه الجوفية. ويرى حسن أن التعامل مع هذه التحولات يجب أن ينتقل إلى تعديل القرارات التي تنتج الطلب على المياه، خصوصاً في الزراعة، عبر اختيار أنماط زراعية أكثر ملاءمة للموارد المتاحة، وترشيد السحب، وتحسين إدارة الآبار، ورفع كفاءة شبكات المياه وتقليل الفاقد. وأشار مدير المركز الوطني للسياسات الزراعية هايل ريحان إلى أن بعض الآبار في جنوب سوريا تجاوزت أعماقها 500 متر، ما يعني ارتفاع كلفة الحفر والضخ والحاجة إلى طاقة أكبر، ويزيد أهمية تحديد طبيعة المخزون وقدرته على التجدد. وأشار إلى أن هذه الورشة تعدّ أول ورشة عمل رسمية من نوعها تقام في المركز الوطني للسياسات الزراعية بعد إعادة تأهيله، ما يشكل محطة مهمة في مسيرة استعادة دوره في خدمة البحث والمعرفة وصنع السياسات الزراعية. وتظهر بيانات الأحواض المائية الرئيسية، التي حصلت عليها "المدن"، حجم الفجوة بين الهطول والمياه المتاحة. فإجمالي الهطول يبلغ نحو 46.6 مليار متر مكعب، مقابل 17.9 مليار متر مكعب من المياه المتاحة. ويستحوذ الفرات على نحو 7.93 مليارات متر مكعب من الموارد المتاحة، يليه الساحل بـ4.16 مليارات، والعاصي بـ2.25 مليار، ودجلة والخابور بـ2.21 مليار، فيما تبلغ الموارد المتاحة في بردى والأعوج 881 مليون متر مكعب، وفي اليرموك 332 مليوناً، والسهوب 179 مليون متر مكعب. وفي الموارد السطحية، تراجع تصريف العاصي عند محطة داركوش من نحو 1.85 مليار متر مكعب في ثلاثينيات القرن الماضي إلى 1.25 مليار في السبعينيات، ثم 600 مليون في العقد الأول من الألفية، وصولاً إلى نحو 400 مليون متر مكعب في 2023، بانخفاض يقارب 78%. كما تراجعت غزارة نبع عين التنور من 8500 إلى 5700 لتر في الثانية، وينابيع سهل سلمية من 6000 إلى 3000 لتر في الثانية. وفي المق