قد تكون سابقةً لأوانها، إلّا أنّ معركة قانون الانتخاب لم تعد تنتظر اقتراب صناديق الاقتراع كي تبدأ. فهذه المرّة، وعلى خلاف العادة المتّبعةـ دخل القانون إلى اللجان النيابية باكرًا، أو باكرًا نسبيًا بمقاييس مجلس اعتاد أن يناقش قوانين الانتخابات تحت ضغط المهل، لكنّ وفرة الوقت لم تجعل النقاش أقلّ آنيةً. فعلى العكس، سرعان ما انتقل السؤال من كيفية تعديل قانون قائم تتراكم حوله الاعتراضات، إلى حدود النقاش نفسه: هل المطلوب تصحيح الثغرات الّتي ظهرت في التجارب السابقة، وخصوصًا اقتراع غير المقيمين، أم فتح الباب أمام إعادة النظر في النظام الانتخابي بما يتجاوز استحقاق الانتخابات المقبلة؟ اليوم، حضرت هذه الأسئلة دفعة واحدة في مناقشات اللجان النيابية. لم يحصل اختراق حاسم، وبقي البحث في حدوده العامة، لكن الجلسة كانت كافية لإظهار خريطة سياسية بدأت تتشكّل حول الملف. وبين من يعتبر أن وجود الوقت هو تحديدًا ما يسمح بمناقشة هادئة لا تخضع لابتزاز المهل، ومن يحذّر من أن تتحوّل ورشة تعديل القانون إلى ورشة لإعادة ترتيب النظام السياسي في لحظة اختلال داخلي كبير، عاد قانون الانتخاب إلى موقعه اللبناني المعتاد، أكثر من مجرّد قانون لتنظيم الاقتراع، وأقرب إلى مرآة للتوازنات والهواجس بين المكوّنات. من تعديل القانون إلى سؤال النظام المشكلة تبدأ من أن لا أحد تقريبًا يدافع عن القانون الحالي باعتباره نصًا مثاليًا. الحكومة نفسها سبق أن طلبت، عبر المسار الذي شارك فيه وزير العدل، إدخال تعديلات مرتبطة بتطبيق القانون، وفي مقدّمها اقتراع اللبنانيين غير المقيمين. كما أن النقاش حول "الميغاسنتر"، وآلية اقتراع المغتربين، والثغرات التطبيقية، سبق الانتخابات الحالية بوقت طويل. لكن ما فجّر الاعتراض هذه المرّة هو أن جدول النقاش لم يبقَ محصورًا بهذه المسائل. نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب دفع باتجاه البحث في مجموعة أوسع من الاقتراحات، بينها قوانين انتخابية جديدة، ومسألة مجلس الشيوخ، وصولًا إلى عناوين ترتبط بتطبيق اتفاق الطائف. وهنا تحديدًا بدأ القلق لدى "القوات اللبنانية" و"الكتائب"، اللتين لا تعترضان على مبدأ النقاش الانتخابي بحدّ ذاته، بقدر اعتراضهما على توقيت توسيعه وحدوده السياسية. بالنسبة إلى "القوات"، الأولوية هي حسم المسائل العالقة التي تؤثّر مباشرة في الانتخابات، وفي مقدّمها اقتراع غير المقيمين و"الميغاسنتر"، لا فتح ملفات من حجم مجلس الشيوخ أو تغيير النظام الانتخابي في مرحلة تعتبر فيها أن الأولوية السياسية والأمنية تبقى في مكان آخر، وتحديدًا في مسألة سلاح "حزب الله". وترى أن القفز من التعديلات المطلوبة إلى تغيير أوسع في قواعد اللعبة يثير شبهة استخدام قانون الانتخاب مدخلًا لفتح ملفات سياسية ودستورية أكبر. أما حزب الكتائب فتقول مصادره لـ"المدن" إن الحزب "لا مشكلة لديه في إجراء الانتخابات وفق قانون حديث"، ولا يعترض أصلًا على مناقشة القانون، خصوصًا أن الحكومة نفسها طلبت تعديلات عليه لمعالجة مسائل تطبيقية، وفي مقدّمها اقتراع غير المقيمين. وتذكّر المصادر بأن "الكتائب" تقدّم باقتراح قانون يقوم على الدائرة الفردية، ولذلك فهو أساسًا من المعترضين على القانون الحالي، ولا يستطيع من حيث المبدأ الاعتراض على مناقشة بدائل منه. لكن تحفظ الحزب يبدأ عند حدود مختلفة. تقول المصادر: "ليس لدينا مشكلة بالنقاش، وخصوصًا أن التمديد جاء لتعديل القانون، ولا يمكننا الانتظار حتى اللحظة الأخيرة"، لكنها تضيف أن الحذر الأساسي هو من أن "يتوسّع النقاش ليطال موضوع النظام في ظلّ وجود السلاح". بالنسبة إلى الحزب، إذًا، ليست المشكلة في أن تناقش اللجنة قانون الانتخاب الآن، بل في أن يصبح العنوان الانتخابي بوابة إلى نقاش سياسي ودستوري أكبر في ظرف لا يعتبره متوازنًا. وتضيف المصادر أن قانون الانتخاب ليس، في الظروف الحالية، "الموضوع السياسي الأول"، وإن كان ذلك لا يعني تأجيل البحث فيه إلى ما قبل الاستحقاق بأسابيع. لماذا نرفض النقاش حين يتوافر الوقت؟ في الجهة المقابلة، لا يرى النائب آلان عون سببًا لتحويل توقيت النقاش إلى مشكلة. ويقول لـ"المدن" إن كل هذه الأسئلة والهواجس "طُرحت اليوم داخل اللجنة"، وهي هواجس موجودة ومشروعة، لكن ذلك لا يلغي أن الملف مطروح ويحتاج إلى البحث. ويضيف عون أن المفارقة تكمن في أنه، حين أصبح هناك متّسع من الوقت لدراسة القانون بعيدًا عن ضغط الانتخابات المباشر، ظهر كأن بعض القوى "لا تريد دراسته". بالنسبة إليه، المطلوب هو إعادة النظر بهدوء في القانون الحالي وفي التعديلات الممكنة عليه، لا إبقاء الملف مجمّدًا حتى تصبح المهل الانتخابية هي التي تفرض الخيارات. وعن الاعتراض الذي يعتبر أن النقاش قد يصل إلى تغيير في النظام، يرى عون أن البحث في النظام ليس أمرًا غير منطقي في ذاته، ولا يعني أن الح