لم يخسر لولا دا سيلفا رئاسة البرازيل بعد، لكن نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية كشفت أن استعادة الماضي لم تعد وعداً كافياً لإقناع البرازيليين بالمستقبل. فتقدم السيناتور فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق، يعكس غضباً يتجاوز الحكومة الحالية إلى نظام سياسي وعد بالعدالة والاستقرار، ثم عجز عن جعل إنجازاته ضمانة لحياة أكثر أمناً وأقل قلقاً على ما يبدو. حصل فلافيو على نحو 47% من الأصوات، مقابل 45% للولا، لتنتقل المنافسة إلى جولة الإعادة في 25 تشرين الأول/أكتوبر. والنتيجة تمنح اليمين البرازيلي دفعة قوية، لكنها لا تحسم السباق. أما السؤال الأبعد من اسم الفائز، فهو هل تآكلت الصيغة الديمقراطية التي قامت عليها البرازيل منذ نهاية الحكم العسكري؟ جمهورية أنجزت الكثير ووعدت بأكثر ولدت الجمهورية البرازيلية الجديدة مع الانتقال إلى الحكم المدني عام 1985، وتبلورت في دستور 1988. حملت مشروعاً يجمع الحريات السياسية والحقوق الاجتماعية والاعتراف بتنوع البلاد، بعد 21 عاماً من الدكتاتورية. وكانت فكرتها الأساسية أن الديمقراطية تستطيع معالجة التفاوت، وأن التسويات بين القوى المتنافسة تمنع احتكار السلطة. نجحت البرازيل في كبح التضخم المزمن، ووسعت برامج الحماية الاجتماعية، وأخرجت ملايين المواطنين من الفقر. وتعاقبت الحكومات عبر الانتخابات، فيما اكتسبت المؤسسات قدرة على موازنة سلطة الرئيس. لكن التقدم ظل متفاوتاً، ولم ينه امتيازات النخب أو ضعف الخدمات أو العنف الذي يحدد تفاصيل الحياة في مناطق واسعة. واستند الحكم إلى ما يعرف بالرئاسية الائتلافية، رئيس يحتاج إلى تحالفات برلمانية واسعة لتمرير سياساته. أتاح هذا النموذج إدارة التعددية، لكنه جعل الحكم عرضة للمساومات والمحاصصة، ورسخ لدى كثيرين انطباعاً بأن المؤسسات تخدم صفقات السياسيين أكثر مما تستجيب لمطالب المجتمع. كشفت احتجاجات 2013 حجم الإحباط المتراكم، ثم عمق الركود وفضائح الفساد وعزل الرئيسة ديلما روسيف عام 2016 أزمة الثقة. وبين من اعتبر العزل إجراءً دستورياً ومن رآه إقصاءً سياسياً لحكومة منتخبة، تراجعت مساحة الاتفاق على شرعية النظام نفسه. من هذا التصدع صعد جايير بولسونارو عام 2018. قدم المحافظة الدينية والقبضة الأمنية ورفض الطبقة السياسية بوصفها طريق الخلاص، رغم تاريخه البرلماني الطويل. لكنه اصطدم بقيود الحكم والتفاوض، قبل أن تنتهي تجربته بإدانته بالتآمر لقلب نتيجة انتخابات 2022. وهكذا تحولت أزمة الثقة إلى تهديد مباشر لقواعد انتقال السلطة. عاد لولا إلى الرئاسة عام 2023 بوعد حماية الديمقراطية واستئناف التقدم الاجتماعي. غير أنه عاد إلى بلد أشد استقطاباً، وإلى مؤسسات تبدلت موازين القوة بينها. فالخبرة التي ساعدته سابقاً على بناء التسويات لم تعد كافية لاستعادة قدرة الرئاسة على قيادة المشهد. بات الكونغرس البرازيلي يتحكم بجزء أكبر من الموارد التي توجه إلى المشروعات المحلية. ويعني ذلك أن تنفيذ البرنامج الرئاسي أصبح أكثر ارتباطاً بأولويات النواب ومصالح قواعدهم الانتخابية. كما أن تحسن سوق العمل لم يبدد ضغوط الأسعار والمديونية والخوف من الجريمة. وبين الأرقام الإيجابية وشعور الأسر بالضيق، ظهرت فجوة دفعت الحكومة ثمنها انتخابياً. في الثمانين من عمره، أصبح لولا، وبعد عقود في الحياة العامة، رمزاً مزدوجاً، للإنجاز الاجتماعي عند أنصاره، ولإرهاق النظام القديم عند خصومه. إذا فاز فلافيو، فقد يمتلك هامشاً أوسع من والده. فتعزز اليمين في مجلس الشيوخ يمنحه سنداً للتأثير في التعيينات العليا والضغط لتغيير العلاقة مع المحكمة الاتحادية العليا. وهنا يكمن التحول المحتمل، انتقال البولسونارية من مهاجمة المؤسسات إلى إعادة تشكيلها من الداخل. ومع ذلك، لا يجوز اختزال مؤيديه في الحنين إلى السلطوية. بعضهم يريد مكافحة الجريمة، وآخرون يعاقبون حزب العمال أو يبحثون عن تحسن اقتصادي. لكن فلافيو ليس صفحة سياسية بيضاء، فهو وريث مشروع عائلي، وتلاحقه تحقيقات ينفي ارتكاب مخالفات بشأنها. كما أن تقاربه مع واشنطن سيواجه مصالح برازيلية واسعة، بينها العلاقات الاقتصادية مع الصين. حتى إذا فاز لولا في انتخابات الإعادة في 25 تشرين الأول/أكتوبر، سيواجه برلماناً يميل إلى اليمين، ما يجعل استعادة التوافق أكثر صعوبة. وإذا انتصر فلافيو، فسيختبر في تحويل وعود التغيير إلى نتائج ملموسة. وفي الحالتين، لن تنتهي الأزمة بتبديل الرئيس، بل ستتوقف معالجتها على قدرة المؤسسات السياسية البرازيلية على الاستجابة لمطالب المواطنين واستعادة ثقتهم. تبدو الجمهورية البرازيلية الجديدة اليوم أمام نهاية مرحلة وحاجة إلى التجدد، لكن ذلك لا يعني انقطاع المسار الدستوري. فالانتخابات مستمرة والنتيجة مفتوحة، بينما تتراجع الثقة بالعقد السياسي القديم. وسيكون الاختبار الحاسم قدرة الحكم