أظهر المشهد اللبناني اليوم مفارقة بالغة القسوة. ففيما كشف بنيامين نتنياهو أوراق إسرائيل، بإعلانه أرض الجنوب اللبناني ساحة استنزاف مفتوحة، بقيت القوى اللبنانية تخوض سجالًا داخليًا محتدمًا ومربكًا حول طبيعة الخيارات الإنقاذية، وسط تآكل للحلول الدبلوماسية وغياب استراتيجية وطنية موحدة للتعامل مع المرحلة المقبلة. وموقف نتنياهو الذي أعلن فيه صراحة استمرار ضرب حزب الله، للوصول إلى "صناعة السلام مع الشعب اللبناني"، كما قال، رسم الملامح الحقيقية للسياسة الإسرائيلية. إذ تؤكد المعطيات الميدانية أن تفجير القرى وجرفها وتوسيع نطاق الغارات والقصف تهدف إلى تثبيت احتلال طويل الأجل، ويُكرس "الخط الأصفر" ويمهد لتوسيعه. وفي الوقت عينه، يُوظّف نتنياهو دمار الجنوب ورقة في معركته لانتخابات الكنيست المقررة في 27 الجاري. وهو يذهب إلى طاولة تامبا المرتقبة باستغلال الذريعة الأميركية لفرض "نزع السلاح" كشرط تعجيزي مسبق، وتأطير اللقاء بما يضمن استمرار حرب الاستنزاف، من دون أن يُقدم أي التزام بالانسحاب الشامل. في المقابل، تذهب السلطة اللبنانية إلى تامبا بسلة مطالبات متكاملة كوقف العدوان والانسحاب الشامل وتفعيل الشرعية الدولية، لكنها لا تملك أوراق ضغط ملموسة لإلزام واشنطن أو تل أبيب بها. ويترسخ هذا العجز مع انسداد أفق المظلة الدولية وفشل المساعي لإيجاد بديل لقوات "اليونيفيل"، ما يُهدد بترك الجنوب لمصير الفراغ الأمني الذي تتغذى به ذريعة إسرائيل. ويترجم هجوم الحزب على الدولة حجم الشرخ الداخلي حول الأداء الرسمي. وفيما اعتبر الشيخ حسن عز الدين أن الذهاب إلى المفاوضات والتوقيع على "اتفاق الإطار" منح العدو حرية الحركة والبقاء مجانًا من دون تحصيل وقف للنار أو التدمير، رأى النائب حسن فضل الله أن السلطة عاجزة عن الحماية، مشددًا على أن المقاومة تبقى "ضرورة وطنية"، وأن معالجة السلاح لا يمكن أن تُطرح إلا كخطوة متأخرة تبدأ بالانسحاب الإسرائيلي الكامل وإعادة الإعمار قبل أي حوار حول الاستراتيجية الدفاعية. إذًا، يكشف نتنياهو أن إسرائيل تسير وفق خطة أمنية وسياسية واضحة لمعالم المرحلة المقبلة في جنوب لبنان، مستندة إلى حماية أميركية وضبابية دولية. وفي المقابل، يقف لبنان في أضعف لحظاته السياسية: وفد يذهب إلى مفاوضات عسكرية بآمال ضئيلة، ومؤسسات رسمية تعاني الشلل، وقوى سياسية تزداد تشرذمًا حول اكثر المسائل الوطنية خطورة. المشكلة في جولة تامبا المرتقبة لا تكمن في ضعف التوقّعات اللبنانية فحسب، بل في الاختلال البنيوي الذي يحكم المفاوضات نفسها. فلبنان يدخلها مطالبًا بتطبيق اتفاق سبق أن وافق عليه، بينما تدخل إسرائيل بعدما حوّلت التنفيذ الانتقائي للاتفاق إلى أمر واقع جديد. وبذلك، لم تعد المفاوضات تجري حول كيفية العودة إلى ما قبل الحرب، بل حول مقدار ما يمكن للبنان استعادته من أرضه، وحجم القيود التي ستُفرض عليه في المقابل. ووفق المعطيات المتداولة عن الجولة المرتقبة، فإن البحث سيبقى ذا طابع عسكري وأمني، وسيتركّز على الترتيبات الميدانية ومناطق الانسحاب التجريبية وانتشار الجيش اللبناني. وكان "اتفاق الإطار" الأميركي قد ربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بانتشار الجيش وحصر السلاح ضمن المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، فيما تصرّ بيروت على مبدأ التوازي بين المسارين، أي ألّا تتحوّل مسألة السلاح إلى التزام لبناني أحادي مقابل وعود إسرائيلية مؤجّلة. وهنا تحديدًا تظهر المعضلة اللبنانية. فإسرائيل لا تتعامل مع المفاوضات باعتبارها مسارًا يقود بالضرورة إلى الانسحاب، بل بوصفها وسيلة لإدارة الاحتلال وتعديل شروطه. وكلّما طال أمد المفاوضات، ازداد احتمال تحوّل الانتشار الإسرائيلي المؤقّت إلى واقع أمني طويل الأجل، خصوصًا مع ربط الانسحاب بمطلب فضفاض هو "نزع سلاح حزب الله"، من دون تحديد سقف زمني أو آلية واضحة لقياس التنفيذ. وهكذا، تنتقل المعادلة من "انسحاب مقابل ترتيبات أمنية" إلى "بقاء إسرائيلي إلى حين استكمال شروط أمنية مفتوحة"، وهي صيغة تمنح تل أبيب حقّ تحديد موعد انتهاء الاحتلال بنفسها. الجيش في قلب المعادلة الجديدة في مواجهة هذا الواقع، تراهن الدولة اللبنانية على المؤسسة العسكرية باعتبارها الأداة الوحيدة القادرة على إعادة إنتاج شرعية الدولة في الجنوب. وليس مصادفة أن يتزامن التصعيد السياسي والعسكري مع إطلاق الجيش تمرين "PEGASUS CEDAR 2026" المشترك مع الجيش البريطاني، بمشاركة أميركية وإيطالية، وحضور فرنسا وقبرص وقطر والأردن بصفة مراقبين. فالتمرين، الذي يبدأ في السادس من تشرين الأول ويستمرّ ثلاثة أسابيع، يتجاوز معناه التدريبي الصرف إلى رسالة سياسية متّصلة بشكل لبنان الأمني في المرحلة المقبلة. فالدول المشاركة أو المراقبة هي نفسها، إلى حدّ بعيد، جزء من النقاش الدولي حول مستقبل الجنوب، ودور الجيش، وترتيبا