من شرفة غرفته في فندق "جورج الخامس" بباريس، حيث يثقل المنفى الروح وتتحول الهوية والجنسية إلى معاملات "قيد الدرس"، كان القلم السيال للأديب والصحافي اللبناني الكبير الراحل إلياس الديري (زيّان) لا يهدأ. في تلك العزلة الموحشة، لم يجد الكاتب مفرّاً من الهروب بالذاكرة إلى بيروت؛ بيروت التناقضات الصارخة، الصاخبة، والباذخة حتى الجنون. هناك، في المخطوطات التي خطّها بيمينه في العاصمة الفرنسية، لم يكن الديري يكتب مجرد ذكريات، بل كان يُشرح بعين الروائي الحاذق وحسّ الصحافي الاقتصادي الدقيق ظاهرة الاستعراض الطاووسي للثراء الفاحش الذي سبَق الانفجار الكبير في لبنان. مسرح الحدث: أربعون متراً في عهدة منح الدبغيتحت رعاية "منح الدبغي"، الرجل الذي أدار مقهى وصالة "الهورس شو" (Horse Shoe) في شارع الحمرا وحوّله إلى قلعة للمثقفين والنخبة، دارت أحداث تلك الليلة الاستثنائية. "الهورس شو" الذي لم تكن مساحته تتجاوز الأربعين متراً مربعاً—والذي يتهكم الديري على ضيقه مستشهداً بالعبارات الشعبية الساخرة حول التكدس والازدحام—تحول في ذلك المساء إلى مسرح لـ "مجزرة ترف" غير مسبوقة. كانت المناسبة حفلة عيد ميلاد، ديك، نعم ديك، إحدى السيدات المخمليات، سيدة أرادت أن تظهر غناها الفاحش، فكلفت سهرتها تلك مليون ليرة لبنانية كاملة. وكي يضع الكاتب القارئ في صدمة الأرقام، يُذكرنا بأن "الدولار في ذلك الوقت كان بليرتين"، أي أن تكلفة الحفلة بلغت نصف مليون دولار أميركي بمقاييس ذلك الزمن الفلكي! جسور جوية من الملذات.. وكافيار في "خلّة" القمح!لم يكن البذخ عادياً؛ فقد جُردت عواصم العالم لخدمة تلك الليلة. جاء الكافيار الإمبراطوري طائراً من طهران (أيام بذخ الشاه)، وسُكبت الخمور العريقة من نبيذ "موتون روتشيلد" الفرنسي، وتدفقت الشمبانيا من أقبية السلاطين. لكن ذروة العبقرية والسخرية اللاذعة في قلم إلياس الديري تتبدى في تلك المفارقة الطبقية الكاريكاتورية؛ حين يصف كيف قُدّم هذا الكافيار العالمي الثمين. لم يُقدّم في أوانٍ من الكريستال، بل وُضع في "خلّة"—وهي القدر النحاسي الضخم والعميق الذي يستخدمه الفلاحون في القرى اللبنانية لسلق القمح وتحويله إلى برغل! صورة مشهدية تختصر كيف يمكن للثراء المفاجئ والعشوائي أن يدمج أثمن مباهج الأرض بأكثر الأدوات ريفية وبساطة في مشهد سريالي صادم، تكسرت على إثره الصحون الصينية الفاخرة. اللوحة الفلكية: مئة مليون ليرة فوق أجساد عشرين امرأةتصل ذروة المقال والمخطوطة إلى تلك الحسبة الرياضية الصادمة التي صاغها الديري من منفاه. في ذلك المطعم الصغير الذي يديره منح الدبغي، تجمعت عشرون سيدة فقط. لكنهن لم يكنّ سيدات عاديات، بل كنّ جدراناً متحركة من الألماس والذهب والفراء الفاخر. يقول الديري بذهول: "عشرون سيدة يحملن ما مجموعه مئة مليون ليرة، من حلي وفراءات". بمقاييس الصرف حينها، كانت أجساد تلك العشرين امرأة تزدان بما قيمته 50 مليون دولار أميركي! وينتهي المقال بالسؤال الوجودي والفلسفي الحاد الذي تركه إلياس الديري معلقاً في الهواء: "كيف أُشبعت الأربعون متراً لمئة مليون ليرة؟" إنه التساؤل الساخر الذي يعكس عمق الرؤية السياسية والاجتماعية لـ "زيّان"؛ كيف يمكن لبضعة أمتار ضيقة من أرض بيروت أن تستوعب هذا التكثيف المتوحش للمال والثراء الأعمى؟ مئة مليون ليرة تزدحم فوق أجساد عشرين امرأة في بقعة صغيرة، بينما يرزح الوطن تحت وطأة الأزمات والتوترات. إنها الوثيقة التاريخية والأدبية التي كتبها إلياس الديري بدم الحبر وعاطفة المغترب، ليؤرخ بها لزمن لبناني مضى، يحمل في طياته كل أسباب صعوده وهبوطه.