لم تعد أزمة النفايات في طرابلس تحتمل التأجيل. فمع بلوغ المطمر قدرته الاستيعابية القصوى وتعثّر البدائل، تحوّلت شوارع المدينة وأحياؤها السكنية إلى واجهة لأزمة كان يفترض الاستعداد لها قبل الوصول إلى الإقفال. وبين أكوام النفايات والروائح والمخاوف البيئية والصحية، يتصاعد الغضب الشعبي، ويتقدّم سؤال يضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم: لماذا تُركت المدينة تصل إلى هذا المأزق؟ في أواخر أيلول الماضي، تفاقمت أزمة النفايات بين طرابلس وعكار، مع امتلاء مطمر طرابلس واستمرار إغلاق الطريق المؤدي إلى مطمر سرار، رفضًا لاستقبال نفايات من خارج عكار. وأدى تعثّر مسارات التخلص منها إلى تكدّسها في الشوارع والأحياء وعلى الطرقات. وكان مجلس الإنماء والإعمار قد حذّر المسؤولين، قبل نحو عام، من استنفاد القدرة الاستيعابية للمطمر. وهو تحذير يضع التخطيط المسبق في صلب المساءلة: ما الإجراءات التي اتُّخذت بعده؟ ولماذا لم يُجهَّز البديل قبل امتلاء الموقع؟ وبحسب معلومات "ليبانون ديبايت"، أقفلت الشركة المتعهدة المطمر لعدم قدرته على استيعاب كميات إضافية، قبل أن تُفرغ شاحنات النفايات حمولاتها داخله بالقوة. وتفتح هذه المعطيات باب التساؤل حول حماية منشآت المشروع، والجهة التي سمحت باستمرار التفريغ، ومدى الالتزام بشروط التشغيل والسلامة. فإدخال مزيد من النفايات إلى موقع استنفد قدرته الاستيعابية لا يشكّل حلًا مستدامًا، بل يفرض تقييمًا فنيًا واضحًا يحدّد مدى إمكان مواصلة استخدامه وشروط ذلك، بدل إخضاع تشغيله لضغط الشاحنات والحاجة اليومية إلى التخلص من حمولاتها. أما خيار نقل النفايات إلى مطمر سرار، فيصطدم باعتراضات في عكار، حيث يرفض الأهالي والفعاليات تحميل المنطقة أعباء معالجة نفايات مناطق أخرى. وقد برزت هذه الاعتراضات سابقًا خلال النقاش حول نقل نفايات طرابلس، وسط مخاوف تتصل بالقرى المحيطة بالموقع ومصادر المياه القريبة منه. وهكذا، يتحوّل البحث عن مخرج لأزمة طرابلس إلى خلاف بين مناطق تتقاسم أصلًا الهواجس البيئية والخدماتية. ومع تعثّر هذا الخيار، تبقى المدينة أمام واقع يومي ضاغط: نفايات تنتظر الجمع والمعالجة، وسكان ينتظرون حلًا قابلًا للتنفيذ. ويطال الغضب الشعبي البلدية وأعضاءها واتحاد البلديات والنواب والسلطات المعنية، انطلاقًا من شعور بأن ملفًا مطروحًا منذ سنوات لم يحظَ بالمعالجة اللازمة. وتتركّز الانتقادات على الفجوة بين حضور المسؤولين في المناسبات وقدرتهم على تأمين خدمة أساسية تمسّ حياة السكان يوميًا. وفي صلب هذه الاعتراضات، تتقدّم المطالبة بمنظومة فعّالة للفرز والمعالجة، تخفّف الاعتماد على المطامر وتضع حدًا لتكرار الحلول المؤقتة. تحتاج طرابلس اليوم إلى إجراءات عاجلة لرفع النفايات المتراكمة، بالتوازي مع خطة معلنة تحدّد وجهة المعالجة وشروطها، والجهات المسؤولة عنها، والمهلة اللازمة لتنفيذها. فبعد سنوات من النقاش حول المطمر، لم يعد وعد جديد كافيًا. المطلوب حلّ تظهر نتائجه في الشوارع والأحياء، حيث تدفع المدينة وأهلها ثمن التأخّر في المعالجة.