لم تكن مواجهتا جمهورية أيرلندا وإسرائيل في دوري الأمم الأوروبية مجرد مباراتين في كرة القدم. فبين المواجهة الأولى في ديبريتسن المجرية في 27 أيلول / سبتمبر، والثانية في باتشكا توبولا الصربية في 4 تشرين الأول / أكتوبر، مرّ المنتخبان بأسبوعين من الاحتجاجات والجدل السياسي ورفض المصافحة والاحتجاجات الرمزية، وصولاً إلى اتهامات بالعنصرية وحادثة مزعومة بالبصق، بينما بقي الصراع في غزة في صلب المشهد. وفي الملعب، فازت أيرلندا 3-0 في اللقاء الأول، قبل أن تنتهي المباراة الثانية بالتعادل 1-1، لكن القصة الأهم كانت في كل ما أحاط بالمواجهتين. وضعت قرعة دوري الأمم الأوروبية منتخبات إسرائيل وأيرلندا والنمسا وكوسوفو في المجموعة 3. ومنذ لحظة القرعة في شباط / فبراير، كان واضحاً أن المواجهتين بين أيرلندا وإسرائيل ستكونان محمّلتين بحساسية سياسية كبيرة، خصوصاً أن أيرلندا كانت من أكثر الدول الأوروبية انتقاداً للحرب الإسرائيلية في غزة. الأزمة لم تبدأ يوم المباراة. ففي تشرين الثاني / نوفمبر 2025، صوّت أعضاء الجمعية العمومية للاتحاد الإيرلندي لكرة القدم بنسبة كبيرة لصالح تقديم طلب رسمي إلى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا" من أجل تعليق عضوية الاتحاد الإسرائيلي في المسابقات الأوروبية. وكان المقترح مرتبطاً بما اعتبره الاتحاد الإيرلندي مخالفات للوائح، بينها قضايا تتعلق بسياسة مكافحة العنصرية ومشاركة أندية إسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. لكن بعد سحب القرعة ووضع إسرائيل في المجموعة نفسها، قرر الاتحاد الأيرلندي الاستمرار في خوض المباراتين، بحجة أن الانسحاب قد يؤدي إلى خسارة النقاط وعقوبات رياضية ومالية ويضر بمستقبل كرة القدم الأيرلندية. وفي تموز / يوليو 2026، صادق اجتماع استثنائي للاتحاد على هذا الخيار بـ75 صوتاً مقابل 32، مع 3 امتناعات. لماذا أُقيمت المباراتان خارج أيرلندا وإسرائيل؟ كانت مباراة 27 أيلول / سبتمبر مقررة باعتبارها مباراة إسرائيل، لكنها أُقيمت في ملعب ناغيردي بمدينة ديبريتسن المجرية، بعدما تعذر على إسرائيل استضافة المباريات بصورة طبيعية، فيما تنص لوائح "يويفا" على إمكان نقل المباريات خارج أراضي الاتحاد المضيف في ظروف استثنائية مرتبطة بالأمن أو لأسباب تنظيمية. أما المباراة الثانية، التي كانت مقررة في الأصل في دبلن باعتبارها مباراة أيرلندا، فقد نقلها الاتحاد الإيرلندي إلى ملعب TSC Arena في باتشكا توبولا بصربيا وأُقيمت من دون جمهور. وقال الاتحاد الأيرلندي إن القرار جاء بسبب "تحديات تشغيلية" ومخاوف تتعلق بإمكانية تنظيم المباراة بأمان على الأراضي الأيرلندية، وحظي القرار بموافقة "يويفا". ولم يقتصر الأمر على نقل المباراة الثانية، إذ أكد الاتحاد الإيرلندي أنه لن يخصص أي تذاكر للجماهير الإيرلندية في المباراتين، مع السماح لعدد محدود من مشجعي إسرائيل بحضور المباراة الأولى في المجر. على أرض الملعب، بدت أيرلندا وكأنها قررت فصل كرة القدم عن كل الضجيج المحيط بالمباراة. أنهى المنتخب الإيرلندي اللقاء أمام إسرائيل بالفوز 3-0، وسجل أهدافه الثلاثة خلال 12 دقيقة فقط في الشوط الأول. افتتح تروي باروت التسجيل في الدقيقة 13، ثم أضاف آدم إيداه الهدف الثاني في الدقيقة 16، قبل أن يسجل جاك مويلان الهدف الثالث في الدقيقة 25. ولم ينجح المنتخب الإسرائيلي في العودة إلى المباراة خلال الشوط الثاني، لتنتهي المواجهة بانتصار إيرلندي كبير. لكن قبل صافرة البداية، حدث أمر لافت. لا مصافحة... ولا احتفال عادي بالنشيد الإسرائيلي رفض لاعبو أيرلندا الدخول في مراسم المصافحة التقليدية قبل المباراة، كما انحنى اللاعبون برؤوسهم أثناء عزف النشيد الإسرائيلي بدلاً من الوقوف بالشكل المعتاد، في رسالة رمزية مرتبطة بموقفهم من الحرب في غزة. وارتدى لاعبو أيرلندا شارات سوداء خلال اللقاء، فيما اتخذ أعضاء من وفد الاتحاد الإيرلندي الموقف نفسه. ولم يكتفِ اللاعبون بذلك، إذ حافظوا على رؤوسهم منخفضة طوال النشيد الإسرائيلي، قبل أن يواجهوا العلم الأيرلندي بصورة طبيعية أثناء نشيد بلادهم. بعد الهدف الثالث، لفت مويلان الأنظار عندما نزع شارة الذراع السوداء وقبّل شعار منتخب بلاده أمام المشجعين الإسرائيليين، في مشهد اعتبره كثيرون امتداداً للرسالة السياسية التي سبقت اللقاء. غافين بازونو... اللاعب الذي رفض المشاركة أكبر تطور قبل المباراة الأولى كان إعلان الحارس الأيرلندي غافين بازونو انسحابه من قائمة المنتخب وعدم المشاركة أمام إسرائيل. بازونو قال إنه اتخذ القرار بعد تفكير طويل، وإنه يرى أن المشاركة في المباراة تتعارض مع قناعاته الأخلاقية في ظل ما يحدث في المنطقة، معتبراً أن هناك أوقاتاً يتعين على الإنسان فيها اتخاذ موقف من قضية أكبر من كرة القدم. قرار بازونو تسبب بأزمة داخل معسكر أيرلندا. فبعد أ