قد تعتقد المرأة بعد تشخيص إصابتها بسرطان الثدي أنّ الأولوية يجب أن تقتصر على اجتياز رحلة العلاج، وأن ممارسة الرياضة يمكن تأجيلها إلى مرحلة لاحقة. إلا أنّ أدلة علمية متزايدة تشير إلى أنّ النشاط البدني لا يقتصر دوره على دعم المريضة خلال العلاج، بل قد يساعد أيضًا في تحسين صحتها ونوعية حياتها على المدى الطويل. وتوصي جمعية السرطان الأميركية ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الناجين من السرطان بممارسة ما مجموعه 150 دقيقة من النشاط البدني المعتدل أو 75 دقيقة من النشاط المكثف أسبوعيًا، إلى جانب تمارين تقوية العضلات مرتين أسبوعيًا على الأقل، مع مراعاة الحالة الصحية وتوصيات الفريق الطبي. قد يساهم النشاط البدني خلال علاج سرطان الثدي في التخفيف من عدد من الآثار الجانبية، أبرزها التعب والوذمة اللمفية واضطرابات المزاج. ويُعدّ التعب المرتبط بالسرطان من الأعراض الشائعة والمهمة لدى مرضى السرطان والناجين منه. وأظهرت مراجعة نُشرت عام 2023 أنّ ما بين 4 و7 من كل 10 مرضى بالسرطان يعانون التعب، مقارنة بنحو شخص واحد من كل 10 أشخاص في عموم السكان. وتشير دراسات إلى أنّ ممارسة الرياضة قد تساعد في تخفيف هذا النوع من التعب، مع تسجيل فوائد لأنشطة مختلفة، من بينها اليوغا وتمارين المقاومة وتمارين التحمّل. يمكن أن تؤدي إزالة العقد اللمفاوية خلال جراحة سرطان الثدي إلى تراكم السائل اللمفاوي، ما قد يسبب تورمًا وألمًا يُعرفان بالوذمة اللمفية. وقالت الدكتورة إليانور إم. ووكر، مديرة خدمات الثدي في قسم علاج الأورام بالإشعاع في معهد هنري فورد للسرطان في ديترويت، إن النساء كنّ يُنصحن في السابق بتجنب رفع الأوزان خوفًا من التسبب بالوذمة اللمفية، إلا أنّ البيانات الحديثة تشير إلى أنّ رفع الأوزان الخفيفة قد يكون مفيدًا. ووجدت دراسة نُشرت عام 2025 أنّ تمارين المقاومة لا تؤثر سلبًا في الوذمة اللمفية المرتبطة بسرطان الثدي، بل قد تساهم في الحد منها. ومع ذلك، ينبغي للمرأة التي خضعت حديثًا لعملية جراحية الحصول على موافقة الجرّاح قبل البدء بالتمارين. ولا تقتصر فوائد الحركة على الجانب الجسدي، إذ تشير ووكر إلى أنّ ممارسة الرياضة تحفّز إفراز الإندورفين، وهي مواد كيميائية في الدماغ مرتبطة بالشعور بالراحة. وسواء كان النشاط المختار ممارسة التمارين في النادي أو الرقص أو البستنة أو غيرها من الأنشطة البدنية، يمكن أن يكون الهدف ممارسة نشاط معتدل لمدة 30 دقيقة، بحسب قدرة المريضة وتوجيهات فريقها الطبي. تبقى الحركة مهمة بعد انتهاء رحلة العلاج، إذ قد تساعد في مواجهة بعض آثاره الطويلة الأمد ودعم صحة العظام والقلب والوظائف الإدراكية. فبعض النساء قبل انقطاع الطمث يتناولن عقار "تاموكسيفين" بعد العلاج، وقد يعانين أعراضًا مرتبطة بانقطاع الطمث، مثل الهبّات الساخنة. وبحسب ووكر، قد تساعد الرياضة في التخفيف من بعض هذه الأعراض، كما تساهم في الحفاظ على قوة العضلات وصحة العظام مع التقدم في السن. أما بعض النساء بعد انقطاع الطمث فيتناولن أدوية تُعرف بـ"مثبطات الأروماتاز"، التي قد تسبب آلامًا في المفاصل وتسرّع فقدان كثافة العظام. وتشير أبحاث إلى أنّ التمارين الهوائية قد تساعد في الحد من الألم، خصوصًا عند البدء بها في مرحلة مبكرة من العلاج بهذه الأدوية. وتكتسب صحة القلب أهمية خاصة لدى الناجيات من سرطان الثدي، إذ قد ترتبط بعض علاجات السرطان بمضاعفات قلبية، فيما تزداد مخاطر أمراض القلب أيضًا مع التقدم في السن ووجود عوامل أخرى مثل السمنة والتدخين. ووجدت أبحاث أنّ النساء المصابات بسرطان الثدي قد يسجلن معدلات أعلى لبعض الأحداث القلبية الوعائية مقارنة بغير المصابات، مع اختلاف مستوى الخطر بحسب نوع العلاج المستخدم. وفي المقابل، تشير مراجعات علمية إلى أنّ التمارين الهوائية قد تساهم في تحسين عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب لدى المصابات بسرطان الثدي، ولا سيما لدى النساء الأكبر سنًا أو قليلات الحركة أو اللواتي يعانين زيادة الوزن. تعاني بعض الناجيات من سرطان الثدي بعد العلاج صعوبة في التركيز أو الذاكرة والتفكير، وهي أعراض تُعرف أحيانًا باسم "ضباب العلاج الكيميائي" أو "Chemo Brain". وبحسب الدكتورة شيري هارتمان، الأستاذة في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، تشير أبحاث حديثة إلى أنّ النشاط البدني قد يساعد في تخفيف بعض هذه المشكلات. وأظهرت بيانات من تجربة سريرية عشوائية أنّ اتباع برنامج للتمارين ارتبط بتحسّن الانتباه وتباطؤ مؤشرات الشيخوخة اللاجينية خلال فترة الدراسة. تتوفر في بعض المراكز برامج رياضية مصممة خصيصًا لمرضى السرطان والناجين منه، حيث يقيّم اختصاصيون مستوى اللياقة البدنية ويضعون برنامجًا يتناسب مع حالة كل شخص. ويبقى الأهم أن تكون التمارين مناسبة للحالة الصحية ومرحلة العلاج والآثار الجانبية