تسعى الأرجنتين إلى جذب رؤوس أموال أجنبية جديدة عبر بوابة غير تقليدية، بعدما طرحت حكومة الرئيس خافيير ميلي برنامجاً يمنح الجنسية للمستثمرين الأجانب مقابل مساهمات مالية تبدأ من 350 ألف دولار، في خطوة تأتي ضمن مساعٍ أوسع لدعم اقتصاد بدأ يتعافى، لكنه لا يزال يواجه قيوداً على حركة رؤوس الأموال وحالة من عدم اليقين السياسي. وبحسب تقرير للصحافية إفرات نومبرغ يونغر في موقع "mako" الإسرائيلي، عرضت الحكومة الأرجنتينية برنامجاً جديداً يتيح للمستثمرين الأجانب الحصول على الجنسية. وفي المسار الأقل كلفة، يُطلب من المستثمر الرئيسي تقديم مساهمة لمرة واحدة بقيمة 350 ألف دولار إلى خزينة الدولة، وهي مساهمة غير قابلة للاسترداد. أما المسار الأعلى كلفة، فيتيح شراء سندات حكومية خاصة بقيمة 800 ألف دولار. وبحسب شركة الاستشارات الدولية Henley & Partners، يُتوقع فتح باب تقديم الطلبات خلال الربع الرابع من عام 2026. ويتيح مسار المساهمة المالية ضم أفراد من العائلة، بحيث تبلغ الكلفة الإضافية للزوج أو الزوجة 100 ألف دولار، وللطفل الذي يقل عمره عن 18 عاماً 25 ألف دولار، فيما تبلغ الكلفة 100 ألف دولار لكل ابن أو ابنة بين 18 و25 عاماً، شرط ألا يكون متزوجاً أو لديه أطفال. وبذلك، تدفع عائلة من 4 أفراد، تضم والدين وطفلين قاصرين، مبلغ 500 ألف دولار. وفي كلا المسارين، يبقى منح الجنسية خاضعاً لعملية تدقيق وموافقة من جانب السلطات. ويأتي البرنامج ضمن مسعى أوسع يقوده الرئيس خافيير ميلي لجذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى بلد يمر بمرحلة تعافٍ اقتصادي، لكنه لا يزال بعيداً عن حالة الازدهار. وخلال عهد ميلي، سجل التضخم الشهري تراجعاً حاداً وبلغ في آب 1.7%، فيما عاد الاقتصاد إلى النمو بنسبة 4.4% خلال عام 2025، وفق صندوق النقد الدولي، بعدما كان قد انكمش في العام الذي سبقه. كما انتقلت الحكومة إلى تسجيل فائض في الموازنة، فيما ارتفع إنتاج النفط في تموز بنسبة 17.2%، مدفوعاً بصورة أساسية بالتوسع في منطقة فاكا مويرتا. إلا أن التعافي لا يزال بعيداً عن أن يكون متساوياً في مختلف القطاعات، إذ تبلغ البطالة 7.9%، فيما تواصل الدولة مواجهة احتياجات تمويلية والحاجة إلى تعزيز احتياطاتها من العملات الأجنبية. كما أن شركات كثيرة لم تستفد بعد من السياسات المؤيدة للأعمال التي يدفع بها ميلي، بسبب القيود على حركة رؤوس الأموال وعدم اليقين السياسي. وكانت محاولة سابقة للحكومة لإقرار قانون يسهل على الأجانب شراء أراضٍ زراعية قد أثارت احتجاجات واسعة، قبل أن يخضع المشروع لتعديلات أفرغته تقريباً من مضمونه قبل وصوله إلى البرلمان. وفي إسرائيل، قد تثير الخطة اهتماماً على خلفية التقارب بين البلدين. وفي نيسان الماضي، أعلن ميلي ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو "اتفاقات إسحاق"، وهي إطار للتعاون في مجالات الابتكار والتكنولوجيا والتجارة والاقتصاد، إلى جانب التعاون في مكافحة الإرهاب ومعاداة السامية. وقال دانيال شميلين، مدير مكتب Henley & Partners في إسرائيل لـ"mako"، إن "الجنسية الإضافية بالنسبة إلى المستثمرين والعائلات هي جزء من تخطيط طويل الأمد، لأنها توسع الخيارات المتعلقة بمكان العيش والعمل وبناء مستقبل الأطفال". وأضاف أن البرنامج يعكس أيضاً رغبة الأرجنتين في تعزيز علاقاتها مع المستثمرين القادرين على جلب رؤوس الأموال والنشاط التجاري والروابط مع أسواق إضافية. وأشار شميلين إلى أن العلاقات الوثيقة بين البلدين قد تزيد الاهتمام لدى الإسرائيليين، لكنه لفت إلى أن البرنامج لم يُفتح بعد أمام تقديم الطلبات، وأن ثمة مسألة قانونية لا تزال بحاجة إلى حسم. وبحسب مؤشر Henley لجوازات السفر، يحتل جواز السفر الأرجنتيني المرتبة 16 عالمياً، ويتيح دخولا إلى 169 وجهة من دون الحاجة إلى تأشيرة مسبقة. كما يسمح البرنامج بحمل جنسية مزدوجة، ويوفر مزايا إقليمية في إطار تكتل "ميركوسور". وإذا اكتمل البرنامج، ستصبح الأرجنتين أكبر دولة في العالم تعرض الجنسية مقابل الاستثمار، وأول دولة في أميركا الجنوبية تطبق هذا النوع من البرامج. وحتى الآن، تنتشر ترتيبات مشابهة بصورة أساسية في دول صغيرة في منطقة البحر الكاريبي، تعرض الجنسية مقابل 250 ألف دولار للعائلة، فيما تُعد مونتينيغرو، التي يبلغ عدد سكانها 628 ألف نسمة، أكبر دولة تقدم ترتيباً مماثلاً حتى الآن. وبذلك، تراهن حكومة ميلي على تحويل جواز السفر الأرجنتيني إلى أداة لجذب السيولة والاستثمار، في اختبار جديد لقدرة بوينس آيرس على تحويل التعافي الاقتصادي إلى تدفقات فعلية لرؤوس الأموال.