درس إبني في مدرسة "اللاييك" 11 عاماً، قبل أن أقرر ووالده نقله لأسباب غير مرتبطة بقرار الفصل بين الجنسين الذي اتخذ مؤخراً وأحدث جدلاً واسعاً. لكني أذكر أني تواصلتُ العام الماضي مع أحد كوادر الإدارة في المدرسة، بعد زوبعة في وسائل التواصل الاجتماعي حول عريضة موقعة من أهالي حي ساروجا القريب من المدرسة، تطالب بالفصل بين الجنسين، ليؤكد المسؤول إن قرار الفصل ماضٍ إلى التطبيق: "التربية استدعت المدير وأخبرته بالقرار، ولا نعرف إن كان الفصل سيتم في البناء أم في الصفوف، بتعرفي مدام اللاييك كبيرة". كانت ساحات دمشق آنذاك تعجّ بمطالب الأهالي المحقّة: وقف المجازر، وإعادة الموظفين المفصولين، والسيطرة على غلاء السلع الأساسية...وقفات تحتج على قانون الاستملاك الظالم، ومطالبة بإجلاء مصير المفقودين، واحتجاجات تطالب بمحاسبة رموز النظام السابق مثل حمشو وفادي صقر، أو على الأقل عدم تعويمهم في مراكز الدولة. وأنا ما زلت أتساءل: لماذا يرضخ أصحاب القرار لمَطالب هؤلاء "الأهالي" ولا يستمعون إلى "الأهالي" الآخرين؟ ثم جاء تطبيق الفصل الجندري هذا العام، على أنه قرار إداري ذاتي، نابع من قناعة تبنّتها إدارة "اللاييك"، بل وشرحتها عبر صفحتها في فايسبوك! قدّمت الحكومة السورية العام 1926، قطعة أرض مساحتها 9074 متراً مربعاً، للبعثة العلمانية الفرنسية التي بنت عليها مدرسة تتسع لألف طالب. تمّ تأميم "اللاييك" العام 1967 ثم استولت عليها وزارة التربية السورية العام 1978. تغيّر الاسم إلى "معهد الحرية" العام 1961، ثم إلى "معهد الشهيد باسل حافظ الأسد" العام 1994. وبعد التحرير، استعادت اسمها، "معهد الحرية". كأنها السردية السورية الكاملة، من خلال هذه التواريخ والأسماء وانعكاساتها في مناحي الحياة. كنت أدخل البناء الضخم وأنظر بعين الحزن: "مو حينتها!". تمييز واضح، حتى بين الطلاب. كبار الضباط أولادهم هنا. حتى الكادر التدريسي معظمه عُيّن بالواسطة. بالتأكيد لها محاسن، هناك معلمات يبذلن جهداً واضحاً، لكن في زحمة الفوضى، يضيع منه الكثير. كان الجوّ المختلط صحياً للغاية، وهذا ما أردته لطفلي، أن يحترم زميلته كندٍّ من دون أن يتردّد في التواصل ولا أن يفكر في التمادي، وأن يتآخى وزميله المسيحي. لكني كلما زرت المدرسة، شعرت وكأني في فرع أمني يستدعي أولياء الأمور للتحقيق بهدف الإهانة، وكل مَن تعامل مع إدارة "اللاييك" آنذاك سيفهم قصدي تماماً. يقول ابني: "ماما يا ريت بابا ضابط كان أحسن إلي بكتير". المكسب الوحيد كان بيئة صحية بسبب الاختلاط. "وصل السوس للعصب"...هي مقولة طبيب الأسنان لمريض يريد أن يُعلمه بأن السن فقد كافة الحلول إلا واحداً، هو سحب العصب، ما يجعله هشّاً يحتاج حماية مضاعفة وإلا خسِره. وصلت آلية التعليم في سوريا إلى سحب العصب! وبدلاً من حمايتها بقرارات صائبة، نرى الاختلاف على نوع معجون الأسنان، عقدة المنشار، بدلاً من حلّ لمشكلات التعليم، من تسرب مدرسي، وتلاميذ بلا أوراق ثبوتية، مدارس بلا مقاعد، صفوف بأعداد ضاغطة، نقص في الكوادر والموارد، مدارس مهدمة... لكن قرار الفصل الجندري سبق ذلك كله، مع استماتة في "إثباته" بدراسات "غربية"! أليس حريٌّ أن نبدأ العدّ من الصفر قبل أن نقفز إلى عشرة؟ التخوف من تيار متشدد يحكم بقبضته على البلاد، مبرَّر، بعد حملات دعوية في الشوارع وعلى شواطئ البحر، الدعوة للفصل بين الجنسين في المواصلات العامة، وغيرها من الإشارات إلى أن البلاد باتت محاصرة بتيار يمارس ما يراه حقّاً، في العلن، في مقابل صمت السلطة، وتقييد وصول المرأة إلى مراكز القرار. ترك إبني اللاييك لسوء التعليم الذي لن يتحسن بقرار الفصل الجندري، بل بعلاج مشكلات نقص الكوادر والتسيب الوظيفي الذي عانت منه المدرسة لعقود. نائب في البرلمان اقترح إعادة العمل بالضرب في المدارس، ليرد عليه وزير التربية: "الضرب يروّض ولا يربّي".. فهل الفصل الجندري يمنع التحرش، كما قالت إدارة "اللاييك"؟ ألن يخرج تلامذتها يوماً للاختلاط في المواصلات والشارع وسوق العمل؟ كل سوري اليوم هو دون كيخوته، يحمل رمحه كل صباح، ويسرج فرسه لمحاربة الخطر الأعظم، وهل هناك أخطر من طواحين هواء تدور وتهدد السلم الأهلي؟! تنشغل النخبة السياسية/الثقافية اليوم بخوض معارك رمزية تستهلك النقاش العام. حفلة أصالة في دمشق، وحدها، استغرق الكلام فيها أياماً وأياماً، بينما تنتظر المشكلات البنيوية على الرفّ: التسرب المدرسي، الضائقة الاقتصادية، المخيمات...أما "اللاييك"/العلمانية، فلعلها لم تكن يوماً إسماً على مسمّى، وكذلك "معهد الحرية". لعلها سوريا الصغيرة.