على عكس السلسلة الطويلة من الاغتيالات السياسية في لبنان، والتي كُتب عن ضحاياها الكتب والمقالات والتحليلات، وحُفظت تفاصيلها في أرشيف الصحف والمجلات، بقيت جريمة اغتيال وحيد نسيب الصلح، مدير عام وزارة التخطيط، في 13 تشرين الأول 1958، شبه منسية، وما زالت المعلومات عنها، وعن الزعيم البيروتي، تقتصر على فقرة قصيرة في الانترنت! عائلة الصلح، الغنية عن التعريف، منحت لبنان 4 رؤساء وزارء: الرئيس المؤسس رياض الصلح، سامي الصلح، تقي الدين الصلح ورشيد الصلح. عدا عن الشخصيات السياسية والفكرية والاجتماعية التي برزت في البلد. فلماذا بقي اسم وحيد نسيب الصلح في الظل؟ ولماذا بقيت قصة اغتياله وأسبابها مغيبة في التاريخ اللبناني المعاصر المُثقل بالحروب والاحداث والاغتيالات؟ وما هي الخلفيات والظروف المحيطة بزعيم برز في الخمسينيات، وكان يترك باب داره مفتوحاً في منطقة المصيطبة في رأس بيروت لكل صاحب حاجة أو خدمة عامة؟ في جلسة في أحد مقاهي جبيل العتيقة قرب قناطر أثرية، أخبرني نسيب وحيد الصلح (أبو وحيد)، القصة الكاملة لاغتيال والده، وهو ما زال يتذكر التفاصيل: شخصية أبيه، وبيت العائلة، والمرحلة السياسية لما عُرف بـ"أحداث 1958". وكانت لي فرصة التعرف عليه بواسطة زوجته الناشطة المثقفة والمسؤولة التربوية في "مؤسسة الأمل" في برمانا، حنان الصلح. وهي مؤسسة أسستها زوجة الشهيد وحيد، منيرة الصلح، العام 1959. يستعيد نسيب الصلح بيت جده القاضي، في منطقة الزيدانية، "بيت حلو كتير، أرضي ومحاط بغابة من شجر الصنوبر. كنا نزور عمتي هناك". لاحقاً، تزوجت العمة من رضا بك التامر، من الطيبة جنوبي لبنان. لاحقاَ، انتقلت العائلة إلى المبنى الذي سكن فيه وحيد الصلح في كركول الدروز (مبنى أبيض من ثلاثة طوابق، على مقربة من المبنى القديم حيث سكن الجنرال شارل ديغول). كان المبنى يضم روضة أطفال لزاهية مقصد سلمان. وفي الطابق الثاني، سكنت عائلة الصايغ، في الشقة المقابلة لعائلة وحيد الصلح، مدير عام التخطيط، واليد اليمنى للرئيس سامي الصلح. يُخبر نسيب الصلح، خفيف الظل، والذي تخرّج وزوجته حنان في الجامعة الأميركية في بيروت، أن والده ووالدته منيرة الصلح تزوجا سنة 1935 وأمضيا شهر العسل في "أوتيل الملك داوود" في القدس: "أنا ولدت في 16 حزيران 1948، ودرست في المدرسة الانجيلية في المصيطبة، ومدرسة الإنكليز مقابل ليسيه عبد القادر. أبي وحيد كان تاجر أقمشة ومواد غذائية وشريكاً في شركة "نرن" للنقل البري الى العراق. مرة جلس مع جدي نسيب وقال له" ما بدي ورثة، ساعدني لأدرس بالجامعة الأميركية في بيروت". فكان له ما أراد وتخرج في كلية التجارة. الرئيس سامي الصلح جلس ثماني مرات على كرسي رئاسة الوزراء، وهو من آمن بقدرات وحيد الصلح وعيّنه في الإدارة العامة. يستعيد أبو وحيد أجواء بيت العائلة الصارمة والآمنة في الوقت نفسه: "ما كنا نسترجي نقوم من الفراش صباحاً قبل أن يأذنوا لنا. أمي وأبي كانا صبحجية (يستيقظان باكراً)، وكان أبي وحيد مولعاً بالنظافة والترتيب ولا يحب الكركبة. يرتدي الشورت الأبيض، يمسح الغبار عن الثريات، ويساعد في الجلي (مؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة). كان صالون الدار يمتلىء بالزوار الذين عندهم مشاكل مع الدولة. امرأة ابنها محبوس، وأخرى طُرد ابنها من العمل. الساعة 7 وربع، يتمشى مع زواره الى مصلبية حي اللجا – مار الياس، قاصداً الحلاق نقولا الخال في المصيطبة. بعد الحلاقة يتابع مع كل صاحب قضية، ويذهب معهم شخصياً لحل مشاكلهم. وما كان يتردد في توجيه الانتقاد للمدعي العام ولو وصل الأمر الى الشتم. وأمي منيرة بدورها كانت ناشطة في الجمعيات النسائية". في ذاك الزمن، كانت الناس تسعى وراء الأغنياء والبطاشين، ويقول نسيب الصلح الذي كان يبلغ من العمر 10 سنوات خلال أحداث 1958، التي اندلعت ضد الرئيس كميل شمعون، الساعي إلى التمديد والمستقوي بحلف بغداد ضد المد الناصري والوحدة بين مصر والجارة سوريا. كان الرئيس سامي بك الصلح قد أرسل لابن أخيه، وحيد، خلال الأحداث وكاشفه بزيارة كبار السياسيين من فرنسا برئاسة السفير الفرنسي، وأن الاجتماع دام أكثر من 3 ساعات، في محاولة لإقناعه لترك لبنان مع عائلته للإقامة في باريس. لكنه رفض كي لا يحصل فراغ دستوري. ثم ما لبث أن اقتنع، وقبل سفره قال لابن أخيه خلال اجتماعهما:"بيتك موقعه خطر"، قال له سامي الصلح، "خذ عائلتك واطلع على بيتي في المنصورية". يستعيد نسيب وحيد الصلح زيارة صباحية في ربيع 1957 قام بها رئيس مخابرات دولة الوحدة العربية، عبد الحميد سراج لوالده ومعه حقيبة مليئة بالمال. وحيد وزوجته استقبلا عبد الحميد السراج الذي بادر الى وضع الحقيبة على الطاولة. قال: "كلفني الرئيس جمال عبد الناصر، لأنكم آل الصلح محبوبون من المسلمين والمسيحيين. وهو لا يحب كميل شمعون لأنه عميل للمخابرات البريطانية