فاطمة الخواجا -رئيسة ومؤسّسة جمعية نساء ذوات ثقافة مزدوجة يصعب على أي قارئ لتاريخ الفكر العربي الحديث أن يتجنب سؤالاً يزداد إلحاحاً مع مرور الزمن: ماذا بقي من مشروع النهضة العربية؟ فبعد أكثر من قرن على تلك اللحظة الفكرية التي بشّرت بالإصلاح والحرية والتعليم والعلم وتحرير المرأة، لم يعد السؤال يتعلق بكيفية تحقيق النهضة، بل بكيفية تقييم حصيلتها التاريخية. لم يعد السؤال: ماذا أراد رواد النهضة؟ بل ماذا تحقق من أحلامهم؟ وما الذي ضاع في الطريق؟تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة عند قراءة كتاب الدكتور والمؤرخ خالد زيادة "عقد الستينات الفريد". فالكتاب لا يقرأ الستينات بوصفها عقداً سياسياً فحسب، وإنما بوصفها لحظة حضارية استثنائية شهدت تحولات عميقة مسّت مختلف جوانب الحياة العربية. التعليم توسع، والجامعات انتشرت، والمرأة خرجت بصورة أوسع إلى المجال العام، والمدن تغيرت، وأنماط الحياة تبدلت، وبرزت طبقات اجتماعية جديدة. ومن هذه الزاوية تبدو الستينات كأنها الثمرة التاريخية الكبرى للمشروع النهضوي الذي تبلورت ملامحه منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر.لكن هل كانت هذه الثمرة مطابقة للبذور التي زرعها النهضويون الأوائل؟هنا يبدأ السؤال الحقيقي.لم يكن مشروع النهضة العربية مشروعاً سياسياً ضيقاً، بل كان مشروعاً حضارياً شاملاً. فقد كان رفاعة الطهطاوي، وبطرس البستاني، وفرح أنطون، وقاسم أمين، وزينب فواز، ولبيبة هاشم، وغيرهم، يتطلعون إلى إعادة تشكيل المجتمع العربي على أسس جديدة. كانوا يتحدثون عن التعليم لا بوصفه اكتساباً للمعرفة فحسب، بل باعتباره وسيلة لتحرير الإنسان. وكانوا يتحدثون عن المرأة ليس باعتبارها قضية فئوية، بل بوصفها معياراً لمدى تقدم المجتمع كله.وفي هذا السياق تحتل زينب فواز مكانة خاصة. ففي زمن كانت فيه المرأة بالكاد تُرى في المجال العام، كانت تكتب وتناقش وتحاور وتنتقد. لم تكن تطالب بامتيازات استثنائية للنساء، بل كانت تطالب باعتراف المجتمع بإنسانيتهن الكاملة. ولهذا فإن قراءة نصوصها اليوم تكشف أن القضية الجوهرية عندها لم تكن المرأة وحدها، بل العقل والحرية والتقدم.لو قُدّر لزينب فواز أن تنظر إلى العالم العربي في ستينات القرن العشرين، فمن المرجح أنها كانت ستشعر بشيء من الانتصار. فالكثير من المطالب التي بدت أقرب إلى الحلم في زمنها أصبحت واقعاً. آلاف النساء في المدارس والجامعات، وحضور نسائي متزايد في المهن المختلفة، واتساع دائرة النشر والتعليم والثقافة. كانت ستجد عالماً مختلفاً جذرياً عما عرفته في نهاية القرن التاسع عشر.لكنها ربما كانت ستفاجأ أيضاً بشيءٍ آخر.فالنهضة التي حلم بها جيلها لم تكن مجرد عملية تحديث إداري أو توسع في المؤسسات التعليمية. كانت في جوهرها مشروعاً أخلاقياً وثقافياً. لقد تصوّر النهضويون أن التقدم سيجعل الإنسان أكثر وعياً وأكثر حرية وأكثر قدرة على بناء مجتمع متوازن. غير أن التاريخ لا يحقق الأحلام دائماً بالطريقة التي يتصورها أصحابها.وهنا تكمن القيمة الفكرية لقراءة خالد زيادة. فهو يلفت إلى أن التحولات الكبرى لا تأتي محملة بالمكاسب فقط، بل بالتناقضات أيضًا. فالستينات التي أنتجت توسعاً هائلاً في التعليم أنتجت كذلك تغيراً عميقاً في البنية الاجتماعية والثقافية للمدن العربية. لقد تغيرت علاقة الناس بالحي والسوق، والمدينة، والعائلة، والعمل. وشيئاً فشيئاً بدأ عالم كامل ينسحب إلى الظل.ولعل طرابلس تمثل مثالاً بالغ الدلالة على هذه التحولات.فالمدينة التي كانت عبر قرون مركزاً تجارياً وثقافياً نابضاً بالحياة شهدت، شأنها شأن مدن عربية أخرى، عملية انتقال واسعة نحو أنماط عمرانية واجتماعية جديدة. لم تعد الأسواق الداخلية القديمة مركز الحياة الوحيد. ولم يعد القلب التاريخي للمدينة يحتكر النشاط الاقتصادي والاجتماعي. ظهرت أحياء جديدة، ومراكز جديدة، وأنماط جديدة من الاستهلاك والتنقل والعمل.في الظاهر كان الأمر تقدماً طبيعياً. فالمدن الحديثة تحتاج إلى التوسع وإلى استيعاب متطلبات الحياة الجديدة. لكن ما حدث حمل في داخله مفارقة عميقة. فكلما اتسعت المدينة الحديثة، تراجعت المكانة التي كانت تحتلها المدينة التاريخية في وعي سكانها. لم تعد السوق التقليدية مركز العالم الاجتماعي كما كان من قبل، ولم تعد العلاقات الإنسانية تُبنى بالضرورة داخل الأحياء القديمة والشوارع التاريخية.وهكذا ولدت ظاهرة يمكن ملاحظتها في مدن عربية كثيرة: تحديث ناجح من ناحية، وتآكل تدريجي لبعض أشكال الحياة التقليدية من ناحية أخرى.وهنا ينبغي الحذر من الوقوع في أحد موقفين متناقضين. الأول هو الاحتفاء غير النقدي بالحداثة، والثاني هو الحنين العاطفي إلى الماضي. فالمدينة التقليدية لم تكن جنة مفقودة. كانت تعرف الفقر والأمية والتمييز وضعف الفرص، وخصوصاً بالنسبة للنساء. لكن المدينة الحديثة ليست الجنة الموعودة أي