يظن قارئ "أسوار عين توران" للروائية اللبنانية جنى فواز الحسن، أنه أمام عمل ذهني متخيّل، بعيد من حياتنا وكل ما يجري بيننا وحولنا. لكنه، تدريجياً، يبدأ في التعرف، من خلال الشخصيات، إلى بشر نتعامل معهم، ونعيش بينهم، لكننا، في أغلب الأوقات، ننكرهم وينكروننا، حتى في المواقف التي نسير فيها معاً أو نتقاطع فيها، بدافع التشابه الذي تفرضه قوة العادة، ويكرسه الخوف من التحليق خارج السرب. رواية تتحدث بألسنة الجميع، لتقول إن لا أحد بمنأى من الوقوع في مطبات الحياة، والتحول إلى كائن مسخ. فاللعبة يضع قواعدها الناس، لا العالم الخارجي كما يبدو للبعض، كما أن بعض الاختلالات في السلوك البشري جزء من الطبيعة، ولا تحتاج إلى جهد كبير لنفيها. وبدلاً من المكابرة أمامها، يمكن تفكيكها كما تُفكك أحجية بسيطة من تلك التي تعترض الكائن كثيراً في حياته اليومية، في عالم يبدو منقسماً دائماً بين أصحاب السلطة والآخرين. الفارق بين هذه الرواية وما عهدناه من جنى في روايتيها السابقتين، اللتين وصلتا إلى اللائحة القصيرة لجائزة البوكر العربية "أنا، هي والأخريات" (2012) و"طابق 99" (2014)، أنها تبني عالماً رمزياً عن قرية تعيش حالة خاصة، ثم تصبح مرآة الواقع عندما تفتح لنا الكاتبة أكثر من نافذة كي نسقط من خلالها هذا العالم على محيطنا، حتى إننا يمكن أن نكتشف من خلال هذه الوصفة أن الحدود ما بين الواقع والخيال، في بعض الأحيان، تكاد تكون واهية، وأن البشر أنفسهم هم الذين يصنعونها، حين يقررون الاستسلام وعدم مواجهة الواقع كما هو:" إن كنتَ تريد أن تتحكم في شخص ما، فعوِده على البؤس". تدور الرواية حول مجتمع مثالي يتحكم به تحالف النفوذ بين الطبيب والآغا والشيخ، من خلال تناول "حبة الطاعة". يعيش سكان القرية في هدوء واستقرار، وكل شيء فيها منظم، حتى جداول الطعام، ولأن كل من يقاوم سلطة الطبيب والآغا والشيخ يُرمى خارجها، يبدو السكان كأنهم ذوات مسبقة الصنع، جاهزة كي تُركّب على مجتمعات تعاني انفصاماً بين واقعها وما تعيشه، وبين ما تحلم به والصورة التي تريد أن ترسمها لنفسها، وكلما ازداد طموحها إلى رسم صورة مثالية، اتسعت الفجوة وكبر التناقض، فيما تتدخل دائماً نزعة السلطة وحب المال للتحكم بالمشهد. رواية عن ضعف البشر وهشاشتهم، وعن قوتهم المزيفة التي يفتعلونها للسيطرة على الآخرين في محيطهم وتوظيفهم في لعبة مصالحهم. ولذلك تبدو الشخصيات كأنها خضعت مسبقاً لدراسة نفسية، وجرت العناية بتفاصيل كل منها على امتداد 182 صفحة، بما يوحي بأن الكاتبة استغرقت وقتاً طويلاً في بنائها، في عمل غير تقليدي، يتطلب تمريناً مختلفاً وجهداً إضافياً، قياساً بالأعمال الروائية الدارجة التي أخذت تتشابه، إذ تستعير من بعضها البعض، لا الأدوات وحدها، بل البنيان العام للشخصيات، وحتى الأحداث نفسها، صار بعض كتّاب الرواية السريعة المخصصة للجوائز، يستلفونها من زملاء آخرين، أحياناً من دون اكتراث كاف بضرورة ابتكار عوالمهم الخاصة. الرواية مكتوبة بلغة بسيطة، رغم أنها تتناول حالات معقدة تبدو، في ظاهرها، بحاجة إلى لغة مركبة وأساليب أكثر تنوعاً. ويبدو أن هذا التبسيط مقصود، إذ يساعد على تفسير الحالات التي تبدو منتزعة من الواقع، وإيصال الرسائل والأفكار التي يحملها العمل، ضمن بناء روائي تحكمه قوانينه ومنطقه الخاص. وبالمقارنة مع عمليها السابقين تبدو الروائية وقد خطت نحو تجريب من نمط مختلف، وفي ذلك شجاعة من المبكر الحكم عليها، هل تُحسب لها أم عليها؟ وربما تكمن هنا أسباب ردود الأفعال النقدية التي تبدو أقل تفاعلاً مما كانت عليه مع روايتيها السابقتين. ولا نبالغ إذا قلنا إن الرواية القادمة قد تكون أكثر قدرة على كشف ما إذا كان هذا التحول مجرد مغامرة عابرة، أم بداية طريق جديد في تجربة جنى الروائية. جنى فواز الحسن روائية تمثل حالة خاصة في الرواية النسائية العربية، فهي منصرفة إلى ما تكتب، من دون مزاحمة الأخريات، ولا تبدو مكترثة كثيراً بما يحدث حولها، ويبدو أن عملها هذا يمثل رداً ضمنياً على كثير من الروايات النسائية اللبنانية التي لا تزال تدور حول الحرب الأهلية التي انتهت نظريا منذ زمن بعيد، لكنها ما تزال تقيم في الذاكرة، وتعيش في يوميات اللبنانيين، وتتدخل في تفاصيل حياتهم وطرق تفكيرهم، بل تحدد في بعض الأحيان مواقفهم من الآخر. وبهذا المعنى يمكن القول إن رواية "أسوار عين توران" ولدت خارج أسوار الرواية اللبنانية، زماناً ومكاناً، واختارت بنية مختلفة تحث القارئ على التفكير خارج الأسوار النفسية التي يبنيها الكائن لنفسه، وبعيداً من الصورة المسبقة الصنع، التي يسجن ذاته داخل إطارها.