بعد إقراره إثر أكثر من 16 عامًا من النقاش والانتظار، يعود قانون الإعلام الجديد إلى واجهة النقاش التشريعي، مع اقتراح لتعديل بعض مواده بهدف تعزيز ضمانات حرية التعبير ومعالجة ثغرات قد تفتح الباب مجددًا أمام الملاحقات الجزائية في قضايا النشر. وفي هذا الاطار، قال النائب إبراهيم منيمنة خلال مؤتمر صحافي، إنه تقدّم باقتراح قانون لتعديل بعض مواد قانون الإعلام رقم 69، الصادر بتاريخ 27 آب 2026، بالتعاون مع اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، انطلاقًا من "الحرص على استكمال المسار الإصلاحي الذي بدأ مع إقرار القانون، وإزالة الأحكام التي لا تزال تتعارض مع روحيته والأهداف التي وُضع من أجلها". وأوضح أن إقرار قانون الإعلام شكّل خطوة تشريعية أساسية نحو تحديث الإطار القانوني الناظم للإعلام في لبنان، إذ وحّد التشريعات الناظمة للقطاع، ونقل معظم قضايا النشر من القضاء الجزائي إلى القضاء المدني، وألغى التوقيف الاحتياطي في جميع قضايا النشر وللجميع. وأضاف، أن القانون نظّم، للمرة الأولى، الإعلام الإلكتروني والرقمي ضمن إطار قانوني موحّد، وأنشأ هيئة وطنية مستقلة للإعلام، وسعى إلى إرساء توازن بين حماية حرية الرأي والتعبير من جهة، وحماية حقوق الأفراد وكرامتهم من جهة أخرى. وشدّد منيمنة على، أن "أهمية هذا التقدّم تفرض استكماله بمعالجة الثغرات التي بقيت في النص النهائي، ولا سيما تلك التي قد تعيد فتح باب الملاحقات الجزائية التي سعى القانون أساسًا إلى الحدّ منها". وقال: "ينطلق اقتراحنا من مبدأ واضح: لا يمكن أن نكرّس في القانون توجّهًا نحو عدم تجريم الرأي، ثم نبقي في الوقت نفسه على نصوص فضفاضة أو مسارات قانونية تسمح بإعادة هذا التجريم من أبواب أخرى". وأشار إلى أن اقتراح التعديل يتناول 3 مسائل أساسية، أولها تعديل المادة 104 وحذف الفقرة "ب"، التي تجرّم تعمّد نشر ما يُسمّى "الأخبار الكاذبة والمؤذية". واعتبر أن الصياغة الفضفاضة لهذا التجريم تفتح الباب أمام التأويلات الواسعة، وتحمل خطر استخدام المادة ذريعة لاستدعاء الصحافيين وملاحقتهم والضغط عليهم، ولا سيما الصحافيين الاستقصائيين الذين يقوم عملهم أساسًا على كشف معلومات ووقائع تتصل بالشأن العام، ومساءلة أصحاب السلطة والنفوذ. أما المسألة الثانية، فتتعلق بتعديل المادة 105 لتصحيح سهو تقني قال إنه حصل خلال الانتقال بين النسخ المتعاقبة للنص، وأدّى إلى سقوط الإشارة إلى عدد من العقوبات المنصوص عليها في قوانين أخرى من لائحة العقوبات التي لم تعد تُطبّق على قضايا النشر. وأوضح، أن هذا التعديل يهدف إلى استدراك السهو وإعادة إدراج هذه النصوص بصورة صريحة، منعًا لاستخدامها مسارًا موازيًا للملاحقة عن أفعال بات قانون الإعلام هو النص الخاص الناظم لها. وتتعلق المسألة الثالثة بتعديل المادة 114 لتعزيز الضمانات المرتبطة بالتحقيق مع الإعلاميين، عبر إعادة التأكيد بصورة واضحة على ضمانة كرّستها التشريعات السابقة، وهي حصر التحقيق مع الإعلامي، متى اقتضت القضية إجراء تحقيق، بالقضاة المختصين. وأكد منيمنة، أن هذه التعديلات تشكّل استكمالًا لروحية قانون الإعلام الإصلاحية، وتصحيحًا لما أُدخل على نصّه النهائي من ثغرات وتناقضات، مشيرًا إلى أن الغاية من الإصلاح هي حماية حرية الرأي والتعبير، وتوفير إطار قانوني واضح للعمل الصحافي، ومنع استخدام النصوص الجزائية الفضفاضة لملاحقة الصحافيين والإعلاميين بسبب عملهم أو آرائهم. وأضاف، أن ذلك يترافق مع الإبقاء على المساءلة القانونية عندما يتعلق الأمر بتحريض فعلي على الكراهية أو التمييز أو العنف، وفق معايير واضحة ومحدّدة. ولفت إلى، أن هذه المقاربة تنسجم مع المادة 13 من الدستور اللبناني، والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومع التوصيات الدولية الموجّهة إلى لبنان بشأن حماية حرية التعبير والحدّ من العقوبات الجزائية في قضايا النشر. وختم منيمنة بالقول: "إقرار قانون الإعلام كان خطوة إصلاحية مهمة، لكن الإصلاح لا يكتمل بإقرار قانون جديد فقط، بل بإزالة التناقضات من نصّه، وضمان انسجام مواده مع الروحية التي قام عليها، والأهم بتطبيق أحكامه فعليًا واحترامها وعدم الالتفاف عليها. وهذا تحديدًا ما يسعى إليه اقتراح تعديل القانون الذي تقدّمنا به".