يعتقد كثيرون أن طول اليوم على الأرض ثابت ودائم، ويتكون بدقة تامة من 24 ساعة. لكن، على الرغم من أن هذا الفرق لا يُدرك بالحواس البشرية ولا يؤثر في جداولنا اليومية، فإن مدة اليوم الواحد تتغير باستمرار؛ فقد يزيد أو ينقص بضعة أجزاء من الألف من الثانية (مللي ثانية) على مدى العقود. حيّر هذا التذبذب العلماء، ودفعهم للبحث عن القوى الخفية التي تسرّع أو تبطئ دوران كوكبنا حول محوره. وقد كشفت دراسة حديثة نشرتها مجلة Nature الستار عن دور الجيولوجيا العميقة بباطن الأرض في التحكم بطول اليوم وقصره الأوساط العلمية تعلم منذ أكثر من 30 عاماً أن التغيرات التي تطرأ على طول اليوم على مدى عقود ناتجة عن التفاعلات بين لبّ الأرض ووشاحها هناك العديد من القوى المعروفة التي تؤثر في سرعة دوران الأرض، وتتركز في الأغلب على سطح الكوكب وغلافه الجوي. فعلى سبيل المثال، تعيد الزلازل القوية توزيع كتلة الأرض بتحريك الصفائح التكتونية والكتل الأرضية الضخمة، ويغير التغير المناخي وذوبان الأنهار الجليدية وارتفاع مستويات المحيطات توزيع الكتلة المائية على الكوكب، وتمارس الأعاصير القوية وتيارات المحيطات وقوى المد والجزر سحباً احتكاكياً يؤثر في دوران الكوكب. مع ذلك، أدرك العلماء أن هذه العوامل السطحية وحدها لا تكفي لتفسير التغيرات العَقدية (التي تحدث على مدى عقود) في طول اليوم. ولإيجاد إجابات شافية، توغل الباحثون في ما هو أبعد من القشرة، وصولاً إلى أعماق الأرض. توصل العلماء إلى أن السبب الحقيقي يكمن في أعماق الكوكب، وتحديداً في التفاعل المعقد والديناميكي بين طبقات الأرض الداخلية: اللب الداخلي الصلب، واللب الخارجي السائل (مكون من معادن منصهرة شديدة الحرارة)، والوشاح (Mantle) الذي يعلوهما. لفهم هذه الظاهرة، دمج عالما الجيوفيزياء هوي فنغ تشانغ (Huifeng Zhang) وماتيو دومبيري (Mathieu Dumberry)، من جامعة ألبرتا الكندية، التقديرات الزلزالية لدوران اللب الداخلي مع نماذج حاسوبية لتدفق اللب الخارجي، لإعادة بناء التغيرات التي طرأت على دوران الأرض بين عامي 1964 و2019. أشار الباحثان إلى أن الأوساط العلمية تعلم منذ أكثر من 30 عاماً أن التغيرات التي تطرأ على طول اليوم على مدى عقود ناتجة عن التفاعلات بين اللب والوشاح، لكنهم افتقروا إلى نموذج تنبؤي ناجح يعتمد على حساب "عزم الدوران" (Torque) المؤثر في الوشاح. آلية العمل: معركة القوى في باطن الأرض يكمن السر في "تبادل الزخم الزاوي" (Angular Momentum) بين اللبين الداخلي والخارجي وأسفل الوشاح. وتتلخص الآلية في النقاط التالية: طول اليوم يتحدد بناءً على نتيجة هذه "المعركة"، وأي خلل يظهر على شكل تغيّر في سرعة دوران الكوكب، ما يجعل اليوم أطول أو أقصر ببضعة مللي ثانية. ما زالت النماذج التي وضعها الباحثون تواجه بعض التحديات والقيود، وهي: القيود الزمنية: النماذج الحالية قادرة على التنبؤ بالتغيرات في دوران الأرض على نطاقات زمنية طويلة، تمتد لعقدين أو ثلاثة عقود أو أكثر. والسبب هو أن التقديرات الزلزالية لدوران اللب الداخلي ليست دقيقة بما يكفي لفهم التغيرات التي تحدث على فترات زمنية أقصر. دقة النماذج الحاسوبية: دقة نماذج تدفق اللب الخارجي لا تزال محدودة، وقد تكون هناك بعض القوى الخفية التي تؤثر على طول اليوم ولم تُدرج في الحسابات الحالية بعد. تبرز هذه الدراسة بوصفها دليلاً مذهلاً على أن كوكب الأرض ليس صخرة جامدة، إنما هو نظام ديناميكي معقد، تعمل طبقاته العميقة والمحمية بمزامنة دقيقة. إن القوى العنيفة والصامتة في أعماق لب الأرض ووشاحها لا تشكل معالم كوكبنا الجيولوجية وحدها، إنما تمسك بعقارب ساعتنا الكونية، وتقرر بدقة متناهية طول كل يوم نعيشه.