لم تعد قضية الشيخ خلدون عريمط تدور فقط حول ملف “أبو عمر” وما يتضمنه من اتهامات وروايات متناقضة، بل باتت تطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: مَن يتحمل كلفة التأخير القضائي، ولماذا يدفعها موقوف واحد من حريته وصحته؟ منذ 31 كانون الأول 2025، يقبع عريمط، البالغ من العمر 75 عاماً والمصاب بالسرطان، في سجن وزارة الدفاع. وفي المقابل، بقي الشيخ خالد السبسبي، وهو أحد المعنيين بالملف، غير موقوف، رغم أن الطعن التمييزي الذي تقدّم به ضد قرار الهيئة الاتهامية أدى إلى تعطيل انطلاق المحاكمة وإعادة أوراق القضية إلى محكمة التمييز. المفارقة أن محكمة التمييز حسمت المسألة وردّت طعن السبسبي شكلاً، ما يعني زوال العائق الذي أوقف السير بالمحاكمة. ومع ذلك، حُدد 3 تشرين الثاني المقبل موعداً للجلسة الأولى أمام محكمة الجنايات في بيروت، ليبقى عريمط موقوفاً أشهراً إضافية بانتظار بدء محاكمته. وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بحق السبسبي في الطعن، وهو حق يكفله القانون، بل بالنتيجة التي ترتبت عليه: شخص غير موقوف استخدم حقه القانوني فتأخرت المحاكمة، بينما تحمل شخص آخر وحده كلفة هذا التأخير خلف القضبان. فإذا كان الطعن قد رُدّ، والتحقيقات أُنجزت، والأدلة أصبحت في عهدة المحكمة، فأي خطر ما زال يبرر استمرار توقيف عريمط؟ وهل ثمة خشية فعلية من فراره أو عبثه بالأدلة، أم أن التوقيف الاحتياطي بات يستمر بقوة الوقت والإجراءات؟ هذه الأسئلة تكتسب بعداً أكثر حساسية مع الوضع الصحي لعريمط. فقد قررت محكمة الجنايات في بيروت إيفاد طبيب شرعي للكشف عليه داخل مكان احتجازه، بعد الحديث عن انتكاسة صحية وحاجته إلى فحوص ومراجعات دورية لمراقبة إصابته بالسرطان. كما تقدم وكيله بطلب لإخلاء سبيله، بما يتيح إخضاعه لمنع السفر وإلزامه بالمثول أمام المحكمة عند الطلب. وهي تدابير يمكنها، إذا وافق القضاء، أن تضمن استمرار المحاكمة من دون تحويل الانتظار إلى خطر صحي أو عقوبة تسبق الحكم. وفي موازاة ذلك، أفادت معلومات بأن القضاء تسلّم تسجيلات صوتية ومستندات جديدة قيل إنها تدعم رواية عريمط، وأُضيفت إلى ملف الدعوى لتكون في عهدة الهيئة الحاكمة. ولا تعني هذه المستندات حكماً براءته، كما لا تثبت الاتهامات إدانته قبل المحاكمة، لكنها تجعل إعادة تقييم ضرورة توقيفه أمراً مشروعاً وملحاً. فالتوقيف الاحتياطي ليس حكماً، ولا يجوز أن يتحول إلى عقوبة صامتة بسبب بطء الإجراءات أو العطلة القضائية أو طعن قدّمه متهم آخر. والأصل أن يبقى الإنسان بريئاً حتى تثبت إدانته، لا أن يقضي أشهراً طويلة موقوفاً ثم يبدأ بعدها الدفاع عن نفسه أمام المحكمة. قضية عريمط اليوم لم تعد اختباراً لصحة رواية “أبو عمر” وحدها، بل أصبحت اختباراً لقدرة العدالة على الفصل بين مقتضيات التحقيق وحق الإنسان في الحرية والعلاج. أما إبقاؤه موقوفاً حتى 3 تشرين الثاني، من دون توضيح الضرورة القانونية التي تمنع إخلاء سبيله بضمانات مشددة، فيضع القضاء أمام سؤال يصعب تجاهله: هل ما زال التوقيف إجراءً احترازياً، أم أصبح حكماً غير معلن قبل انطلاق المحاكمة؟