حين ارتبط اسم “إنكريبت” بملفي الجوازات والنافعة، تصاعدت الاعتراضات واشتدّ الجدل: كيف تجتمع ملفات بهذه الحساسية لدى شركة واحدة؟ وهل أثّرت تدخلات سياسية في مسار التلزيم؟ اليوم، يعود الملفان إلى الواجهة باسم شركة ألمانية أخرى، “Mühlbauer ID Services”، فيما تواجه الشركة نفسها اتهامات فساد أمام القضاء في نيبال. فهل خضعت للتدقيق نفسه؟ ومن يفسّر انتقال هذين الملفين إليها؟ وهل دخلت السياسة مجدداً على خط التلزيم؟ في نيبال، أُسند عقد الجوازات الإلكترونية إلى شركتي “Mühlbauer” و”Veridos”. وفي 16 حزيران، أوقفت السلطات مدير إدارة الجوازات تيرثا راج أريال ومدير تقنية المعلومات سونيل كومار كيه. وفي اليوم التالي، أوقفت مانييندرا راج مالا، الممثل المحلي لـ”Mühlbauer”، ومسؤولاً سابقاً في الحسابات. وفي 18 حزيران، استدعت هيئة مكافحة الفساد النيبالية ممثلين عن الشركتين للإدلاء بإفادتيهما، وسمّت عن “Mühlbauer” جيرهارد ماورر وبافلي راكيتش. وبعد أيام، رفعت الهيئة دعوى أمام المحكمة الخاصة شملت 18 مدعى عليه، بينهم مسؤولون حكوميون والشركتان وممثلون عنهما. وتتهم الهيئة الشركة وممثلين عنها بالتواطؤ في تعديل شروط المناقصة ومعايير التقييم، بما أتاح، وفق ادعائها، منح الشركتين أفضلية غير قانونية وإلحاق خسائر بالدولة. وتطالب باسترداد نحو 10.13 مليارات روبية نيبالية، أي ما يقارب 67 مليون دولار، من المدعى عليهم. أما المطالبة المرتبطة بـ”Mühlbauer” وممثليها الثلاثة، فتبلغ نحو 1.9 مليار روبية، أي قرابة 12.6 مليون دولار. إنها اتهامات خطيرة أمام القضاء، ولم يصدر فيها حكم نهائي حتى الآن. وأُفرج عن مالا، ممثل الشركة المحلي، بكفالة قدرها 500 ألف روبية، أي نحو 3,300 دولار. لكن الإفراج عنه لا يلغي جوهر القضية: هيئة مكافحة الفساد النيبالية لم تكتفِ باستجواب مسؤولين محليين، بل أدرجت الشركة وممثلين عنها في دعوى تتناول عقد جوازات بمليارات الروبيات. والسؤال الذي يفرض نفسه في لبنان: هل كُشف سجل الشركة قبل إدخالها إلى ملفين بهذه الحساسية؟ ولا يقتصر سجل الشركة على نيبال. ففي أوغندا، أُسند إلى “Mühlbauer” عام 2010 عقد لإنتاج بطاقات الهوية الوطنية بقيمة قُدّرت بنحو 64 مليون يورو. وأثار المشروع انتقادات برلمانية بسبب طريقة التلزيم والتأخير، وخلص تقرير لجنة برلمانية إلى عدم الالتزام بقواعد الشراء العام، محمّلاً مسؤولين حكوميين مسؤولية إدارية وسياسية. وفي قضية مدنية منفصلة، طالب رجل الأعمال جون كاتو الشركة بعمولة قال إنها تعادل 10 في المئة من قيمة عقود حكومية، مدعياً أنه ساعد في الحصول عليها. ردّت المحكمة دعواه عام 2013 لعدم ثبوت الاتفاق، واعتبرت أن الخدمات التي طالب عنها ارتبطت بمحاولة تأثير غير مشروع. لم تثبت المحكمة دفع الشركة عمولة، ولم تدنها جنائياً، لكن النزاع أبقى أسئلة الوساطة والعقود الحكومية حاضرة في سجلها. وفي البوسنة والهرسك، حيث ارتبط اسم “Mühlbauer” بعقود وثائق الهوية ورخص السوق، أُسند إليها عقد لعشر سنوات بلغت قيمته نحو 104 ملايين مارك بوسني. وفتح الادعاء تحقيقاً مع مدير سابق لوكالة الهوية، للاشتباه بإساءة استعمال السلطة لمصلحة الشركة في إجراءات التلزيم. لكن الجدل حول المناقصات لم يتوقف. ففي عام 2022، مُنحت الشركة عقداً إضافياً بقيمة 800 ألف مارك بوسني لتوريد رخص السوق، عبر التفاوض من دون مناقصة عامة. وأُحيلت الوثائق إلى النيابة بسبب احتمال مخالفة قانون الشراء العام، ثم أُلغيت المناقصة وبدأت إجراءات مخالفة بحق إدارة الوكالة. أما في لبنان، فيظهر اسم “Mühlbauer” في ملف الجوازات ضمن تحالف مع “CompuTell” اللبنانية، التي ترد في وثائق هيئة الشراء العام بصفتها الشريك الريادي وممثلة التحالف. وتبلغ قيمة الاتفاق الرضائي نحو 2.75 مليون دولار لتأمين 275 ألف دفتر جواز بيومتري ومستلزماته. وتقول الهيئة إن الاتفاق يستند إلى المادة 46/3، لأن التحالف يتولى حالياً تنفيذ مشروع الجوازات. لكن ذكر المادة لا يشرح وحده لماذا اختير الاتفاق الرضائي، ولا كيف تحققت شروطه. أين المستندات التي تبرر هذا المسار؟ وما الحاجة التي استدعت اللجوء إليه؟ وكيف روعيت المنافسة؟ حين يتعلق الأمر بجوازات اللبنانيين وبياناتهم، لا تكفي الإشارة إلى رقم مادة؛ المطلوب نشر الملف الذي يشرح القرار ويثبت سلامة إجراءاته. وفي ملف النافعة، تقول معلومات “ليبانون ديبايت” إن مناقصة مكننة مصلحة تسجيل السيارات والآليات وتأمين دفاتر السيارات ورخص السوق رست على “Mühlbauer”. وبحسب المعلومات نفسها، تستعد “إنكريبت” للطعن بقرار الترسية أمام مجلس شورى الدولة، اعتراضاً على مسار المناقصة. ويضع الطعن المرتقب طريقة التقييم والترسية تحت المجهر: هل طُبقت الشروط والمعايير نفسها على جميع العارضين؟ وكيف رسا العقد على الشركة الألمانية؟