تعثّرت جولة المفاوضات الأخيرة، ولا تسريبات حتى الآن عن جولات قريبة. تزامن فشل الجولة مع غياب شبه كامل للمبادرات، بما يوحي بأن المنطقة تتجه نحو مزيد من التصعيد. ما يعزّز هذا الانطباع هو إقفال الباب أمام الوساطات، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية العامة، وانشغال الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل حلول موعد الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل. كتعبير واضح عن حالة التأزم التي تعيشها المنطقة، سُرّبت من واشنطن معلومات عن اجتماع عقده كبار المستشارين الأميركيين في البيت الأبيض داخل مجمع كامب ديفيد، الجمعة الماضي. ووُصف الاجتماع بأنه مخصص لمناقشة “الخطوات التالية” المتعلقة بالحرب مع إيران، إضافة إلى الصراع بين السعودية والحوثيين في اليمن. لم تعلن إدارة ترمب انعقاد هذا الاجتماع غير المعتاد وفي ذات الوقت لم تنفِ حصوله. والمفارقة أن آخر اجتماع مماثل عُقد في حزيران 2025، أي قبل أيام قليلة من شن إسرائيل حرباً على إيران. شارك في الاجتماع وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ومبعوث البيت الأبيض إلى المنطقة ستيف ويتكوف، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين. وكان لافتاً غياب وزير الخزانة الأميركي سكوت بينست، بما يعزّز الاعتقاد بأن الاجتماع اتخذ طابعاً أمنياً وعسكرياً بالدرجة الأولى، فيما يمكن تفسير غياب ترمب نفسه بانشغالاته الانتخابية ومسعاه إلى تحسين وضع الحزب الجمهوري قبل الانتخابات النصفية. لا تنبع أهمية الاجتماع فقط من تزامنه مع الأنباء عن فشل جولة المفاوضات الأميركية - الإيرانية غير المباشرة في نيويورك، بل أيضاً من الطلب إلى الوفد الإيراني مغادرة الولايات المتحدة فوراً. يضاف إلى ذلك الحديث المتزايد عن عودة الخيار العسكري البري إلى الطاولة. وربما يفسّر هذا تحديداً حضور كل من دان كاين وجون راتكليف، بالنظر إلى طبيعة موقعيهما وصلتهما المباشرة بالتخطيط العسكري والاستخباري والعملياتي. من أبرز المؤشرات التي تثير القلق، التقارير الواردة عن مناوشات في الأقاليم ذات الغالبية البلوشية والكردية، في جنوب شرق إيران وشمال غربها. وتكتسب المناطق البلوشية أهمية خاصة نظراً إلى امتدادها باتجاه ساحل طويل على بحري عُمان والعرب. وتتضاعف أهمية ما يجري هناك مع الحديث عن بحث الأميركيين في خيارات لحملة برية ضد إيران وتحضيرات محتملة لقوات المارينز، بما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المنطقة يمكن أن تتحول إلى إحدى ساحات أي تدخل بري محتمل. ولا تقل المنطقة الكردية أهمية، ولا سيما في ظل وجود فصائل معادية لنظام الحكم في إيران ولديها استعداد للتحرك عسكرياً. وهي أفكار سبق أن طُرحت، بأشكال مختلفة، في مستهل الحرب الأخيرة. ما يعزّز احتمالات التصعيد أيضاً دخول حادثة طائرة “فلاي دبي” على الخط، بما يسهم في تأجيج الاحتقان. صحيح أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ألمح إلى احتمال ضلوع إيران من دون أن يوجّه إليها اتهاماً مباشراً أو يحسم المسؤولية، إلا أن الإسرائيليين سبقوه إلى إثارة الشبهات، ولو بطريقة مبهمة. وقد بدأت تسريبات إسرائيلية تتحدث بالفعل عن احتمال ضلوع طهران، بالتزامن مع إثارة أسئلة حول ولاء الطيار العُماني، وما يقال عن معطيات أولية ظهرت في التحقيق، إضافة إلى تكهنات بأن الهدف ربما كان إسقاط الطائرة فوق إسرائيل. هنا تستعيد إسرائيل في خطابها ليس فقط حادثة 11 أيلول 2001، بوصفها الحدث الذي فتح الباب أمام الولايات المتحدة لشن حروب واحتلال بلدان وإحداث تغييرات جيوسياسية واسعة، وإنما أيضاً مشهدية 7 تشرين الأول 2023، التي تحل ذكراها الثالثة بعد أيام، بوصفها خطراً تعتبر إسرائيل أنه لم يُطوَ نهائياً، رغم الضربات التي تعرض لها “المحور”. عملياً، يحتاج بنيامين نتنياهو، في هذه المرحلة وقبل الانتخابات، إلى إبقاء الخيار العسكري حاضراً. تزامن حادثة الطائرة مع رزنامة “مواعيد”، في مقدمها الاستحقاق الانتخابي، قد يفتح الباب أمام التشكيك في ظروفها، أو في الحد الأدنى اعتبار توقيتها مثالياً بالنسبة إلى إسرائيل للحصول على ذريعة جديدة لاستئناف الحرب. يتقاطع ذلك مع مؤشرات إضافية، من بينها السردية البريطانية حول الهجوم المزعوم على قاعدة فيرفورد في المملكة المتحدة، وما يُسرّب عن التحقيقات بشأن احتمال ضلوع إيران في التخطيط والتحضير له. ولا ينفصل ذلك أيضاً عن الاتهامات الموجهة إلى إيران بدعم الحوثيين في استهداف المملكة العربية السعودية ومنشآت “أرامكو”، وربط هذه العمليات بمحاولات التأثير في تدفقات النفط العالمية، هذه المرة من المصدر نفسه وليس عبر استهداف السفن والناقلات فقط. تقوم القراءة الغربية - الخليجية على أن طهران تستخدم الحوثيين لخدمة أهدافها الاستراتيجية، عبر توسيع د