أماط القضاء اللبناني اللثام عن حقيقة قضية تهريب مخدرات عابرة للحدود، حظيت بتغطية إعلامية واسعة في ماليزيا وأستراليا، بعدما قُدّمت على أنها "صيد ثمين" أفضى إلى إحباط تهريب هيرويين وMDMA بأكثر من 20 مليون دولار، ضمن شحنتي زيت وعصير انطلقتا من مرفأ طرابلس. لكن قاضي التحقيق الأول في الشمال ناجي الدحداح لم يُسلّم بالمعطيات الواردة من الخارج، ولا بنتائج الفحص الميداني الأولي الذي قامت عليه الشبهة، فتوسّع في التحقيق، ودقّق في مسار الشحنتين والاتصالات المرتبطة بهما، وأصرّ على إجراء تحاليل مخبرية نهائية للعينات، لتأتي النتيجة التي قلبت القضية: لا هيرويين ولا MDMA ولا أي مواد مخدرة أو ممنوعة. وبعد أشهر أمضاها خمسة لبنانيين موقوفين على ذمة القضية، انتهى الدحداح إلى منع المحاكمة عنهم في جرائم المخدرات، بعدما تضافرت نتيجة التحاليل النهائية مع معطيات التحقيق اللبناني، الذي لم يضبط مخدرات في المستودعات، ولم يكشف عن اتصالات مشبوهة أو أدلة تربط المدعى عليهم بشبكة دولية للاتجار بها. وتكشف وقائع القرار الظني الصادر عن الدحداح، أن القضية بدأت في 21 كانون الثاني 2026، عندما وردت إلى شعبة المعلومات معطيات من السلطات الأسترالية، تفيد بضبط شحنتين مصدرهما مرفأ طرابلس، مرّتا في ماليزيا في طريقهما إلى أستراليا، الأولى تضم عبوات عصير وكانت متجهة إلى ملبورن، والثانية عبوات زيت زيتون متجهة إلى سيدني، مع الاشتباه باحتواء الأولى على الهيرويين والثانية على مادة MDMA، بعد تحويلهما إلى سائل وتوضيبهما داخل العبوات. سرعان ما أخذت القضية طابعًا دوليًا، إذ أصدرت الشرطة الفدرالية الأسترالية بيانًا رسميًا عن إحباط محاولة لتهريب كميات كبيرة من الهيرويين والـMDMA عبر ماليزيا إلى أستراليا، فيما تحدثت الشرطة الملكية الماليزية ووسائل إعلام أجنبية عن عملية أمنية مشتركة في إطار "Taskforce Tiger"، وقدّرت قيمة المواد المشتبه بها بنحو 80.3 مليون رينغيت ماليزي، أي أكثر من 20 مليون دولار أميركي. وعلى وقع المعلومات الواردة من الخارج، بدأت التحقيقات في لبنان لتحديد الأشخاص المرتبطين بالشحنتين، وأفضت إلى توقيف خمسة أشخاص هم "ربيع. ل"، "علي. ل"، "ربيع. ش"، "عقاب. ع" و"عبد الرزاق. ل"، وأحيلوا موقوفين أمام قاضي التحقيق الأول في الشمال. وأظهرت التحقيقات أن "ربيع. ش" اشترى كمية من عبوات العصير إضافة إلى مواد أخرى، ووضعها مؤقتًا في مستودع عائد لقريبته قبل تحميلها في الحاوية. أما شحنة الزيت فارتبطت بـ"ربيع. ل" وابنه "علي"، فيما أظهرت التحقيقات أن جزءًا من زيت الزيتون أُدخل من سوريا إلى لبنان عبر معابر غير شرعية، وهي واقعة ستشكل لاحقًا أساس ملاحقة جمركية منفصلة عن قضية المخدرات. إلا أن التحقيق اللبناني بدأ يكشف معطيات لا تنسجم مع فرضية تهريب المخدرات، إذ تبيّن أن مكتب مكافحة المخدرات المركزي كان قد تلقى، قبل شحن البضاعة، إخبارًا بوجود شبهة حول شحنة الزيت، فكشف عليها قبل مغادرتها مرفأ طرابلس، من دون العثور على أي مواد ممنوعة. كذلك لم يُسفر تفتيش المستودعات عن ضبط مخدرات، ولم تكشف دراسة الاتصالات وجود تواصل بين المدعى عليهم وأشخاص مشتبه بهم في قضايا مخدرات، كما لم يتبيّن وجود أسبقيات مخدرات بحقهم. وكانت المفارقة الأبرز عندما دقّق القضاء اللبناني في الأساس العلمي الذي بُني عليه الاشتباه. فالمستندات الواردة من الجانب الأسترالي لم تتضمن نتيجة تحليل مخبري نهائي تثبت وجود الهيرويين أو الـMDMA، بل أظهرت أن العينات خضعت لفحص ميداني أولي من نوع "Presumptive Test" بواسطة جهاز كشف طيفي. وأعطى ذلك الفحص نسب تطابق متفاوتة مع مواد عدة، بينها "Heroin HCL" و"Isosafrole" و"GHB"، إلا أن هذه النتائج بقيت احتمالية وغير حاسمة، ولا تشكل دليلًا علميًا قاطعًا على وجود مواد مخدرة. هنا توسّع القاضي الدحداح في التحقيق، فأعاد الاستماع إلى المدعى عليهم والمخلص الجمركي وعدد من الأشخاص الذين شاركوا في توضيب البضاعة أو تحميلها، كما جرى التدقيق في المحادثات والاتصالات المتعلقة بالشحنتين، من دون الوصول إلى دليل يثبت وجود رابط جرمي أو شبكة لتهريب المخدرات. وطلبت النيابة العامة التمييزية من السلطات الأسترالية والماليزية تزويد القضاء اللبناني بالتحقيقات والصور والتسجيلات والمستندات التي تظهر مكان وكيفية العثور على المواد المشتبه بها، إضافة إلى النتائج المخبرية الرسمية والنهائية. لكن ما ورد في المرحلة الأولى لم يحسم المسألة، وبقيت الشبهة قائمة على فحوص أولية. وفي 23 نيسان 2026، وبعد تكرار المراجعات وعدم ورود نتيجة مخبرية مؤكدة، قرّر القاضي الدحداح تخلية سبيل الموقوفين الخمسة، إلا أن الهيئة الاتهامية فسخت قرار التخلية وأبقتهم موقوفين بانتظار الحصول على جواب نهائي من السلطات الماليزية بشأن طبيعة المواد الموجودة في الش