لا تشبه الحياة اليومية للشعب الإيراني اليوم بأي حال ما كانت عليه قبل الحرب الأولى بين أميركا وإسرائيل من جهة والجمهورية الإسلامية من جهة ثانية، في 13 حزيران/يونيو 2025. منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، وبعد 62 يوماً من حرب شاملة مع أميركا وإسرائيل، وأكثر من عام من حالة "لا حرب ولا سلام"، كانت سرعة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كبيرة إلى حد أن ما خلفته الحرب من خسائر وأضرار مادية ومعنوية على البلاد والشعب الإيراني يفوق ما كان يمكن لأحد أن يتخيله مسبقاً. الضغط الاقتصادي الشديد وتراجع قيمة العملة الوطنية، والأرقام القياسية غير المسبوقة في ارتفاع سعر الدولار، وارتفاع معدلات البطالة، ونقص الأدوية، والغلاء والتضخم غير المسبوق في أسعار السلع والخدمات، وخاصة السيارات والمساكن، وازدياد الأمراض النفسية والعصبية، وصعوبة السفر الجوي إلى الخارج، والأمر المثير للقلق وهو عسكرة الفضاء العام في البلاد وتأمينه... هذه بعض الحقائق الراهنة في إيران اليوم. لكن ما هو أشد إثارة للقلق من ذلك كله هو غموض المستقبل وعدم إمكانية التنبؤ به على الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في إيران. فالحرب لم تنته رسمياً بعد، وظلها لا يزال ثقيلاً على إيران وحياة الناس. ولا أحد يدري إلى متى سيستمر ارتفاع الأسعار ونقص الأدوية والحصار البحري الأميركي، بل يُتداول حديث عن أن الحصار الجوي والبري أيضاً ضمن مخططات واشنطن ضدّ إيران. والشعب الإيراني، حتى أولئك المعارضون للجمهورية الإسلامية، غاضبون بشدة من السياسة الأميركية، لأنهم يرون أن واشنطن بفرضها الحرب زادت أوضاع الناس سوءاً، ثم زادت الضغط عليهم من خلال تشديد العقوبات والحصار البحري بعد وقف إطلاق النار، في حين أن هذه الضغوط والعقوبات لا تؤثر كثيراً على سياسات النظام ولا على مستوى معيشة مسؤوليه. وتشير تقارير رسمية ومشاهدات ميدانية إلى ازدياد ميل الإيرانيين إلى شراء السلع والمواد اليومية بالتقسيط، مثل المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الصحية، ما يدل على تراجع كبير في القدرة الشرائية. وكان الشراء بالتقسيط في الماضي مقتصراً على الأمور الرئيسية مثل السيارات والمساكن والهواتف المحمولة باهظة الثمن، لا على الحاجيات اليومية. وتفيد بعض التقارير أيضاً بارتفاع كبير في شراء السلع المستعملة، وهو ما يشير إلى انخفاض القدرة الشرائية من جهة، وتوقف أو تراجع استيراد بعض السلع الجديدة من جهة أخرى، ما اضطر الناس إلى شراء المستهلكة. كما ألحقت الحرب ضرراً كبيراً بالسياحة في إيران. ففي مدن كبيرة ومهمة مثل أصفهان وطهران وشيراز لم يعد يُرى سياح أجانب، وحتى السياحة الداخلية تضررت بشدة، وأصبح الناس أقل قدرة وحوافز للسفر داخل البلاد، واقتصر سفرهم في الصيف على السواحل الشمالية. ومشاهداتي في الأسبوع الماضي في مشهد تدل على أن هذه المدينة الدينية، التي كانت وجهة مهمة للسياح العراقيين والشيعة من الدول العربية، أصبحت خاوية بعد إلغاء الرحلات إلى إيران، فواجهت صناعة الفنادق والمطاعم والنقل فيها تهديداً جدياً. وكثير من المواطنين العراقيين في مشهد شعروا بالحزن والغضب معاً عندما سمعوا خبر إلغاء الرحلات. هذه بعض الحقائق الراهنة في المجتمع الإيراني، مجتمع قاوم الحرب التي شنّتها أميركا وإسرائيل جيداً، لكنه لا يرغب في استمرار حالة الحرب والعسكرة و"الأمننة" في البلاد، فيما الضغوط الاقتصادية تسبب قلقاً واضطراباً شديدين بين العائلات. وقد تكبد معظم الناس خسائر مالية جسيمة جراء الحرب، إذ ضاعت رؤوس أموال كثيرة في البورصة، ودُمرت منازل وسيارات ومحال تجارية ورؤوس أموال أخرى في القصف، ولم تتمكن الدولة حتى الآن من تعويض المتضررين ودفع التعويضات. ومثال على ذلك روى مسعود ساكت، مخرج البرامج التلفزيونية، لـ"النهار"، أن الاستديو الذي كان يُصور فيه مسلسلاً تلفزيونياً استُهدف في الأيام الأولى للحرب الثانية في طهران، وتكبد خسائر بلغت نحو 160 ألف دولار، لكن لا جهة في الجمهورية الإسلامية تعتبر نفسها مسؤولة عن دفع هذا التعويض. آزاده مختاري نشرت فيلماً على وسائل التواصل الاجتماعي عن الارتفاع المستمر في أسعار المواد الغذائية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وكتبت أن أجور العمال لم تتغير في هذه الفترة نفسها، وهذا ناجم عن آثار العقوبات التي يقول المسؤولون إنهم لا يستطيعون فعل شيء حيالها، لكنها في المقابل دمرت حياة الناس. ويقول محمد پارسي، مشيراً إلى ارتفاع سعر الدولار إلى 250 ألف تومان: "في إيران تحوّل شراء المنزل أولاً إلى حلم، ثم شراء السيارة والهاتف المحمول والسفر، وبالتدريج تحولت حتى مستلزمات وأغراض الحياة الضرورية إلى حلم. وبكل بساطة نُمحى من الحياة؛ وذلك في أغنى جغرافيا في العالم!". أما محمد رحماني فيتساءل: "كم بلداً في العالم يبدأ معظم الناس فيها يومهم بتفقد أسعا