جنوب لبنان- في إبل السقي، لا يحتاج الأهالي إلى النظر بعيدا ليتذكروا أن الحدود هنا قريبة؛ يكفي أن تمر دورية لليونيفيل في الطريق، أو أن تتوقف آلياتها أمام أحد المحال، حتى يدركوا أن وجود القوة الدولية صار جزءا من يوميات البلدة. على مدى سنوات طويلة، نسج سكان هذه القرية علاقة تتجاوز المهام العسكرية؛ فهناك من يعمل مع الكتيبة الإسبانية، ومن يبيع منتجاته لجنودها، ومن ينتظر نشاطا تنظمه لأطفاله، ومن يرى في مرور آلياتها رسالة طمأنينة في منطقة لم تعرف الاستقرار طويلا. تقع بلدة إبل السقي في قضاء مرجعيون جنوبي لبنان، بالقرب من الخط الأزرق، وتُعد من القرى التي تستضيف منذ سنوات طويلة قوات تابعة لليونيفيل، لا سيما الكتيبة الإسبانية. داخل متجره، لا يبدأ يوسف الألعاني حديثه عن قوات يونيفيل بالسياسة بل بالزبائن، فهي بالنسبة إليه مصدر حركة اقتصادية يعتمد عليها أصحاب المحال؛ يقيم التجار أسواقا دورية لها، يعرضون فيها المواد الغذائية والملابس والمشروبات وغيرها من المنتجات، في حين ينفق العسكريون جزءا من احتياجاتهم داخل البلدة. يقول الألعاني إن رحيل القوة سيعني خسارة هذا النشاط، لكنه يرى أن الأثر سيتجاوز التجار إلى عائلات وموظفين باتت وظائفهم مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بوجودها. وفي بلدة صغيرة مثل إبل السقي، يمكن لوظيفة واحدة أن تعني الكثير. وفريد منذر يعرف ذلك جيدا، فبالنسبة إليه، لم تعد يونيفيل قوة أجنبية تمر في البلدة منذ سنوات، بل أصبحت "فردا من أفرادها". ويقدّر منذر أن نحو 35 إلى 40 منزلا في القرية يضم كل منها شخصا أو اثنين يعملون مع يونيفيل، لا سيما الكتيبتين الإسبانية والنرويجية. ويعبّر عن مخاوفه من أن يجد العشرات أنفسهم من دون عمل إذا غادرت القوة الدولية، بعدما أمضى بعضهم أكثر من 15 عاما في وظائفهم معها. منذر نفسه عمل 11 عاما مع الكتيبة الإسبانية قبل أن يترك مهمته ليتفرغ لمصلحته الخاصة، لكنه يتساءل عن مصير أولئك الذين لم يبنوا مصدر دخل آخر طوال سنوات عملهم معها. لكن الخوف من الرحيل لا يتوقف عند الاقتصاد. فحين تدخل دورية لليونيفيل إلى البلدة مرة أو اثنتين أو ثلاثا في اليوم، يشعر الأهالي -كما يقول منذر- بأن هناك عينا دولية تراقب ما يحدث، وأن الجنوب ليس متروكا وحده. ولا يعني ذلك بالنسبة إلى السكان -كما يوضح- أنها هي القوة التي تمنع الحرب أو تملك القدرة على ردع أي هجوم، لكن وجودها يمنحهم على الأقل شعورا بأن هناك حضورا دوليا في هذه المنطقة الحدودية. ويقول إن الجيش اللبناني يقوم بواجبه في المنطقة، لكن وجود يونيفيل إلى جانبه يشكل عنصرا إضافيا من عناصر الطمأنينة بالنسبة إلى الأهالي. هذا الشعور يشاركه أيضا كمال منذر، الذي شغل سابقا عضوية المجلس البلدي في إبل السقي، ويرى أن الحديث عن سحب قوات يونيفيل في الظروف الحالية لا يمكن فصله عن الوضع الاقتصادي الهش الذي تعيشه القرى الجنوبية. فالبلدة تعتمد -بحسبه- على حركة هذه القوة في المحال والأسواق، وعلى الوظائف التي توفرها لأبنائها، فضلا عن الأثر النفسي الذي يتركه وجود الدوريات في نفوس السكان. ويؤكد أن رحيلها في هذا التوقيت قد يعني ضربة جديدة لما تبقى من الحياة الاقتصادية في القرى التي اختار أهلها الصمود فيها. أما كريم غبار، فيختصر العلاقة قائلا "يونيفيل أدخلت الطمأنينة إلى قلوب الأهالي، منذ أيام الكتيبة النرويجية التي بقيت في المنطقة قرابة عقدين، وصولا إلى الكتيبة الإسبانية الموجودة اليوم، تحولت القوة الدولية إلى جزء من ذاكرة المكان". ولهذا، لا ينظر غبار إلى انتهاء مهمتها بوصفه تغييرا إداريا في بعثة أممية، بل باعتباره احتمالا لفراغ اقتصادي وأمني واجتماعي، متمنيا تمديد ولايتها. وتأتي هذه المخاوف في وقت لا يزال فيه الجنوب بعيدا عن الاستقرار الكامل، ففي أحدث تحديث لها، قالت يونيفيل إنها سجلت 1030 مسارا لمقذوفات في جنوب لبنان بين 21 و27 أغسطس/آب الجاري، بمعدل 147 مقذوفا يوميا، محذرة من أن الوضع لا يزال هشا، وأن تداعياته تثقل كاهل المدنيين، مع تضرر منازل وبنى تحتية واستمرار معاناة المجتمعات المحلية من آثار التصعيد. وبالنسبة إلى قوة مهمتها الأساسية دعم تنفيذ القرار 1701 ومراقبة الوضع في منطقة عملياتها، فإن استمرار هذه التطورات يجعل سؤال المستقبل أكثر إلحاحا، خصوصا أن مجلس الأمن كان قد قرر في أغسطس/آب 2025 تمديد ولاية يونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، على أن يبدأ بعد ذلك انسحاب منظم وآمن للقوة. لكن لبنان لا يريد أن يتحول انتهاء الولاية إلى فراغ، حيث أكد رئيس الجمهورية جوزيف عون أن تمديد مهمة يونيفيل هو الخيار الأول للبلاد، وأن استمرار وجود قوة دولية في الجنوب يبقى مهما لتعزيز الاستقرار ودعم السكان، في حين طرحت بيروت أيضا فكرة إيجاد صيغة دولية بديلة إذا تعذر التمديد. وفي موازاة ذ