لم يدخل لبنان خارطة بؤر الجوع العالمية عام 2026 بصورة مفاجئة. فقبل ست سنوات، وتحديدًا في نيسان 2020، نبّهنا في دراسة بعنوان «خارطة لبنان ما بعد كورونا... هل نحن أمام انفجار اجتماعي؟» من أن الانهيار الذي بدأ ماليًا ونقديًا أخذ ينتقل سريعًا إلى حياة الأسرة اللبنانية، مع فقدان العمل وتراجع الدخل وارتفاع الأسعار، حتى أصبح تأمين الغذاء والدواء والحاجات الأساسية مهددًا لدى شرائح متزايدة من السكان. وبعد ست سنوات، أصبح لبنان بين 13 بؤرة جوع عالمية حذرت منها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) ، لكن هذا التصنيف لا يعني أن لبنان يعيش مجاعة، ولا أن الأزمة تتوزع بالتساوي بين سكانه ومناطقه. فلبنان بلد صغير، لكن داخله جغرافيات مختلفة للحرمان: فقر مزمن وعميق في الأطراف الشمالية والشرقية، وفقر حضري مرتفع الكلفة داخل المدن والضواحي، وهشاشة مركبة داخل المخيّمات والتجمعات ومناطق النزوح. ومن هنا، لا يكفي أن نسأل: كم عدد الفقراء؟ بل أيضًا: أين يعيشون، وما عمق حرمانهم، وكيف يؤثر المكان في قدرتهم على تأمين الغذاء والخدمات الأساسية؟ لم يصل لبنان إلى أزمة الأمن الغذائي دفعة واحدة. فمنذ خريف 2019 تراكمت الصدمات.. حيث بدأ الانهيار ماليًا ونقديًا، ثم انتقل إلى الأجور والعمل والقدرة الشرائية، قبل أن يصل تدريجيًا إلى غذاء الأسرة. وحدث ذلك في بلد يعاني أصلًا هشاشة في نظامه الغذائي؛ إذ تشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن نحو 80% من السعرات الحرارية المستهلكة في لبنان تأتي من الاستيراد. لقد كانت مرحلة 2019-2020، نقطة الانكسار الأولى، حيث فقدت الأجور والمدخرات جزءًا كبيرًا من قيمتها، وأقفلت مؤسسات وفُقدت فرص عمل، بينما ارتفعت كلفة الغذاء والخدمات. وبحلول 2020 كانت تقديرات الفقر قد تجاوزت 50%، فيما تعرض دخل نحو ثلثي الأسر اللبنانية للتراجع. وهنا ظهرت للمرة الأولى بوضوح المعادلة التي سترافق الأزمة: الغذاء موجود في الأسواق، لكن الوصول الاقتصادي إليه أصبح أكثر صعوبة. وجاءت المحطة الثانية مع اتساع الفقر. فقد أظهر تقييم الفقر والإنصاف في لبنان الصادر عن البنك الدولي عام 2024 أن نسبة الفقر في المناطق التي شملها المسح ارتفعت من 12% عام 2012 إلى 44% عام 2022، أي أكثر من ثلاثة أضعاف. وبين اللبنانيين تحديدًا، أصبح نحو واحد من كل ثلاثة تحت خط الفقر. ولا يمثل رقم 44% تعدادًا وطنيًا شاملًا، بل يخص المناطق المشمولة بالمسح، لكنه يبقى أحد أوسع القياسات الحديثة. وفي عام 2022 ظهرت علامة أخرى على عمق التحول: خفّض البنك الدولي تصنيف لبنان من بلد ذي دخل متوسط أعلى إلى بلد ذي دخل متوسط أدنى، بعدما هبط نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي إلى نحو 3,450 دولارًا عام 2021، منهياً نحو ربع قرن بقي فيه لبنان ضمن الفئة الأعلى. وفي مفارقة لافتة، كان لبنان نفسه قد أطلق عام 2022 مبادرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لمواجهة «حالة انعدام الأمن الغذائي العالمي»، تحوّلت بالتعاون مع مجموعة من الدول إلى قرار اعتمد من دون تصويت. لكن في نهاية العام نفسه، كشف أول تحليل وطني للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) أن نحو 1.29 مليون لبناني مقيم، أي 33%، كانوا في مرحلة «الأزمة» الغذائية أو أعلى. وهكذا كان لبنان، في العام نفسه الذي دعا فيه العالم إلى مواجهة الجوع، يشهد تشكّل بؤر الأزمة على أرضه. أما المحطة الثالثة، فكانت استنزاف قدرة الأسر على التحمُل والمقاومة. فمع استمرار الأزمة لم يعد انخفاض الدخل مجرد خسارة نقدية؛ أصبح يعني المفاضلة يوميًا بين الغذاء والدواء، والكهرباء والنقل، والتعليم والسكن. واستطاعت الأسر التي تتلقى تحويلات من الخارج أو دخلًا بالدولار حماية جزء من قدرتها الشرائية، بينما تحملت الأسر المعتمدة على الليرة والعمل اليومي والاقتصاد غير المنظم العبء الأكبر. ثم جاءت الحرب والنزوح لتضيف فقدان المسكن والعمل والأرض ومصادر الرزق إلى الأزمة السابقة. وهكذا لم يبدأ خطر الجوع بنقص الغذاء نفسه، بل بـتآكل الدخل والقدرة على الوصول إليه؛ ولم تكن السنوات السبع إلا مسارًا متراكمًا نقل الأزمة من المصارف والعملة إلى ميزانية الأسرة، ومنها إلى المائدة. 2 ـ خريطة تجمعات البؤس: التفاوت الاجتماعي والمناطقي لكن هذا الانهيار لم يقع بالقوة نفسها على جميع المناطق. فالمتوسط الوطني يخفي تفاوتًا واسعًا بين الأطراف والمدن والضواحي، وبين نسبة الفقر من جهة وشدة الحرمان من جهة أخرى. وتظهر عكار والشمال والبقاع وبعلبك–الهرمل بوصفها المجال التقليدي للفقر الأشد. ففي تقييم البنك الدولي بلغ الفقر النقدي في عكار نحو 70% عام 2022، وهي أعلى نسبة بين المحافظات الخمس التي شملها المسح. وعندما ينتقل القياس من الدخل وحده إلى الفقر متعدد الأبعاد ـ الذي يجمع الحرمان في الصحة والتعليم