كنت أعرف عنها قبل أن أراها، كما يعرف الطالب أماكن كثيرة من كتاب التاريخ: هنا هُزم نابليون في معركته الأخيرة، ومنها انتهت إمبراطوريته وبدأ الطريق إلى منفاه الأخير في سانت هيلانة. لكن للأمكنة قدرة غريبة على تصحيح ما تختصره الكتب. حين تقف وسط تلك الأرض البلجيكية الخضراء، المزروعة اليوم بالذرة، والمنبسطة بعدما سوّيت أجزاء من تضاريسها التي لعبت دوراً في المعركة، وتسمع الحكاية في المكان الذي وقعت فيه، ثم تعود لتقرأ ما سبق المعركة وما تلاها، تتغير الصورة. لم تعد واترلو، بالنسبة إليّ، مجرد المكان الذي هُزم فيه نابليون. بدت الفصل الأخير من قصة بدأت قبل ذلك بكثير، منذ أن اجتمعت ملكيات أوروبا في مواجهة الثورة التي قطعت رأس ملك فرنسا وهزّت النظام القديم في القارة، ثم في مواجهة الرجل الذي خرج من تلك الثورة وأخضع جزءاً كبيراً من أوروبا التي كانت في عز صباها حينها. كان نابليون قد هُزم للمرة الأولى عام 1814، وتنازل عن العرش ونُفي إلى جزيرة إلبا، وعاد لويس الثامن عشر إلى عرش فرنسا. وفيما ظن خصومه أن الحروب النابليونية انتهت، اجتمعوا في فيينا لإعادة ترتيب القارة ورسم توازناتها الجديدة. واستمر مؤتمر فيينا نحو تسعة أشهر. تسعة أشهر من المفاوضات والمساومات والخلافات بين المنتصرين حول الحدود وموازين القوى وشكل أوروبا التي ستأتي بعد نابليون. مثّلها تاليران، وزير خارجية لويس الثامن عشر، الذي أدرك أن بلاده خسرت الحرب، لكنها لا ينبغي أن تخسر مكانها في أوروبا. فصل بين فرنسا ونابليون، واستفاد من الخلافات بين المنتصرين، وأعاد بلاده تدريجياً إلى دائرة القوى التي تشارك في تقرير مستقبل القارة. لكن فيما كانت أوروبا ترسم عالم ما بعد نابليون، كان نابليون يستعد للعودة إلى باريس والى العالم الذي أخرج منه. هرب من إلبا في شباط 1815، وعاد إلى باريس. وبينما كان يحاول استعادة إمبراطوريته، واصلت القوى الأوروبية في فيينا عملها كأنها ترسم النظام الذي سيأتي بعده وهو لا يزال يحاول العودة إليه. وفي التاسع من حزيران 1815، وبعد نحو تسعة أشهر من المفاوضات، وُقعت الوثيقة النهائية لمؤتمر فيينا. وهنا تكمن إحدى حبكات الحكاية: حين دخل نابليون معركته الأخيرة، كان خصومه قد أمضوا أشهراً يتفاوضون على العالم الذي سيعيش من دونه. قبل أن تطلق مدافع الحرب قذيفتها الأولى، كان نابليون قد خسر شيئاً ربما كان أهم من الأرض: خسر الحلفاء. لم يصل إلى تلك العزلة في يوم واحد. لسنوات بدا أن لا قوة في أوروبا تستطيع الوقوف في وجهه. كان ينتصر في المعارك، يغيّر الحدود، يسقط ملوكاً ويقيم آخرين. لكن القوة التي صنعت إمبراطوريته بدأت، شيئاً فشيئاً، تصنع عزلته أيضاً. حين عجز عن إخضاعها عسكرياً، حاول خنقها اقتصادياً بإغلاق موانئ القارة أمام تجارتها. وردّت بريطانيا بقوتها البحرية. صار المرفأ جبهة، والسفينة سلاحاً، والسكر والقطن والقهوة جزءاً من الحرب. لكن الحصار الذي أراد نابليون أن يخنق به بريطانيا بدأ يرهق حلفاءه أيضاً. تحالف نابليون مع القيصر ألكسندر الأول، لكن العلاقة انهارت. وحين تراجعت روسيا عن الالتزام بالحصار القاري، حمل نابليون جيشه إليها عام 1812. دخل روسيا في ذروة قوته، وخرج منها وقد بدأ العد العكسي لسقوط إمبراطوريته. هزمته المسافات والبرد والجوع والمرض وانقطاع الإمدادات، كما هزمه الروس. عاد بجزء صغير من الجيش الذي دخل به روسيا. وحين ظهرت أولى علامات ضعفه، بدأ الذين انحنوا أمامه يرفعون رؤوسهم. روسيا أصبحت عدواً. بروسيا تحركت. النمسا ابتعدت عنه. وبريطانيا، التي لم تتوقف عن مقاومته، وجدت أخيراً في القارة من يكمل معها المعركة. لم يخسر نابليون قوته دفعة واحدة. خسر شيئاً أخطر: قدرته على منع خصومه من الاجتماع. وفي صباح الثامن عشر من حزيران 1815، انتقل الصراع من السياسة إلى الميدان. كانت السماء قد أمطرت طوال الليل وتحولت الأرض إلى وحل. أمام نابليون وقف جيش ولينغتون. وفي مكان غير بعيد كان البروسيون بقيادة بلوخر يتقدمون نحوهما. كان نابليون يعرف أن عدوه الأكبر هو الوقت. عليه أن يهزم ولينغتون قبل أن يصل بلوخر.تأخر الهجوم، وصمد ولينغتون، ومضت الساعات. كان نابليون يهاجم رجلاً ينتظر. ولينغتون ينتظر رجلاً قادماً. ثم ظهر البروسيون. عندها لم يعد نابليون يحارب جيشاً، بل ميزان قوى. وفي المساء دفع بالحرس الإمبراطوري، نخبة جيشه وآخر ما احتفظ به للحسم. لكن الحرس تراجع، ومعه انهارت المعركة. الرجل الذي أمضى سنوات ينتصر على جيوش أوروبا متفرقة، هُزم يوم استطاعت أن تجتمع عليه. بعد أيام تنازل عن العرش للمرة الثانية، وأرسله البريطانيون إلى سانت هيلانة، بعيدة بما يكفي كي لا يعود مرة ثالثة. وهناك مات بعد ست سنوات. أما أوروبا، فكان عليها أن تقرر ماذا تفعل بانتصارها. لم يكن المطلوب محو فرنسا، بل بناء توازن