لم تعرف أولينا إسماعيل كيف تودّع أختها. لم ترَ كوثر للمرة الأخيرة، لم تمسك يدها، ولم تحفظ وجهها في نعش. حتى الجثمان الذي يمكن أن تبكيه وتدفنه لم يكن موجوداً. في 23 أيلول 2024، قتلت غارة إسرائيلية كوثر وزوجها محمود وأطفالها الثلاثة، شهرزاد 13 سنة، وعلي 11 سنة، وطه لم يتجاوز السنة، في منزلهم في صفد البطيخ. وحين وصلت أولينا إلى المكان، لم تجد البيت. لم تجد أختها، ولا أطفالها، ولا أجساداً كاملة يمكن التعرف إليها. فقط ركام وأشلاء جُمعت من تحت الأنقاض، من دون أن يُعرف إلى مَن تعود كل قطعة. تستعيد أولينا ذلك اليوم مع "المدن" منذ بدايته. كان يوم اثنين عادياً، أو هكذا بدا في ساعاته الأولى. تقول: "استيقظنا صباحاً، وكنا نسمع أصوات الصواريخ والغارات. فتحت هاتفي، فوجدت كوثر مستيقظة أيضاً. تحدثنا وصلّينا الفجر". كانت أولينا قد اتفقت مع أختها على أن تلتقيا لاحقاً. لكن القصف بدأ يشتد. "عند الساعة 11:30 بدأت غارات كثيرة. اتصلت بها لأطمئن إليها، فقالت لي: لا شيء، عادي، يهاجمون قليلاً ثم يتوقفون". رغم كلام أختها، بقي شيء ما يشغل أولينا. "كنت أفكر فيها طوال الوقت، ولا أعرف لماذا". عند الظهر تقريباً، عاودت الاتصال. هذه المرة، كان علي هو من أجاب. "كنت أتواصل مع ابنها علي وأسأله عن أمه. قال لي: إنها تتوضأ وتريد أن تصلّي. قلت له: دعها تتحدث معي بعد أن تنتهي من الصلاة، فأنا سأصلّي أيضاً". كان علي وشهرزاد يلعبان على الهاتف. أغلقت أولينا الاتصال وبدأت الصلاة. "وبينما كنت أصلّي، سمعت أولى الضربات ضمن الغارات التي استهدفت صفد البطيخ، وكان منزلهم أول هدف". خرجت إلى الباب. كان الناس ينزلون بسرعة، فيما بقيت هي تحاول الاتصال بأختها. "كان الناس ينزلون بسرعة، فيما كنت لا أزال أتصل بهم، لكنهم لم يكونوا يجيبون". بسبب الزحمة، سلكت أولينا وعائلتها طريقاً عبر الحقول للوصول إلى منزل كوثر. "بدأنا نسلك طريقاً عبر الحقول لنذهب ونطمئن عليهم. لم يخبرنا أحد بأن منزلها تعرّض للقصف". وعندما وصلت، لم تجد المنزل. "وصلنا، فوجدنا الدخان يتصاعد، ولم نجد بيتاً". كان المنزل كبيراً، وتبلغ مساحة أرضه نحو 400 متر مربع. لكن المكان الذي كان بيتاً قبل دقائق لم يعد كذلك. "لم يعد هناك شيء، لم يبقَ سوى التراب". انهارت أولينا. لم تعرف ماذا تفعل سوى أن تبحث عن أختها. "نزلت وصرت أركض وأصرخ: أين أختي؟ أين البيت؟". بدأ البحث في المستشفيات. كانت أولينا تنتقل من مستشفى إلى آخر، تحدّق في وجوه الناس، وتبحث بينها عن وجه أختها. "كنت أصرخ: أين هم؟ وأسأل الناس: هل رأيتم أختي وأولادها". تقول إنها لم تكن تدرك تماماً ما يجري من حولها. كانت تتحرك بدافع واحد: أن تجد كوثر وأطفالها، بأي شكل. ثم لمحت امرأة تشبه أختها. لم تتردد. اندفعت نحوها، وأخذت تقبّل يديها وقدميها، قبل أن تصل إلى وجهها وتدرك أنها ليست كوثر. "قلت لها: لا، هذه ليست أختي". بعدها، جاء الاتصال. "اتصل بنا أحدهم وقال إنهم قضوا في المنزل، ولم يبقَ منهم شيء ". لم يكن هناك جسد كامل يمكن أن تضمه. لا وجه تستطيع أن تحفظ ملامحه للمرة الأخيرة. لا يد تمسكها. لا صوت تسمعه. فقط بقايا. " بقيت أشلاء جُمعت، لكن لم يكن معروفاً إلى مَن تعود كل قطعة منها. لم يكن هناك جسد كامل ". ولهذا، تقول إن الفقد كان أصعب. "لا أستطيع أن أصف لك كم كان صعباً ألّا نجد شيئاً منهم. على الأقل، لو كنت استطعت رؤيتها... كم هو صعب ألّا تجد منهم شيئاً". وتضيف " الآن، كل ما أريده هو أن أقرأ الفاتحة، فأذهب إلى بيتهم، لأنني أعتبر أنهم ما زالوا هناك". لم تكن كوثر بالنسبة إلى أولينا مجرد أخت. كانتا تكبران معاً، تدرسان في المدرسة نفسها، وتتشابهان حتى في التفاصيل الصغيرة. " حتى بعد أن تزوّجنا، كنا نرتدي الملابس نفسها، وكان أطفالنا يرتدون الملابس نفسها أيضاً. كنا أشبه بتوأم. كنا قريبتين جداً، وكلما التقينا، كنا نتعانق ونقبّل بعضنا". تتوقف عند نفاصيل إختها وأولادها " لا أستطيع أن أنسى صوتها، عينيها ويديها. كانت تحب فيروز وزياد الرحباني، وكانت تحب الحياة". ثم تعود إلى أطفال كوثر، الذين لم يكونوا بالنسبة إليها أبناء أختها فحسب، بل جزءاً من حياتها. تقول: "طه عمره سنة، ما ذنبه؟، شهرزاد، طفلة متفوقة ومبتهجة". وعلي لطفل الذي تحدثت معه خالته للمرة الأخيرة، قبل أن ينقطع الاتصال إلى الأبد. بغصّة، تقول أولينا "كان أولاد كوثر ينادونني يا أمّي. لقد ربّيتهم قبل أن أنجب أولادي". "أعدائي، أولئك الذين يريدون أن يصنعوا السلام مع إسرائيل " بالنسبة إلى أولينا، لا يمكن اختصار هؤلاء الأطفال في رقم أو حصيلة تُضاف إلى أرقام الضحايا. خلف كل اسم، كما تقول، حياة كاملة كان يفترض أن تستمر. وتسأل بحرقة "كيف يمكن أن تصل الرسالة إلى الناس بأننا، مهما كانت حساباتنا وانتماءاتنا، نحن أناس نحب الحياة، ولا