ليس السؤال الأهم ما إذا كان مسؤولون سوريون وممثلون عن حزب الله قد التقوا فعلاً في تركيا. السؤال الأكثر دلالة هو لماذا أصبح مثل هذا اللقاء ممكناً، بل منطقياً، بعد سقوط نظام بشار الأسد. فما يجري بين دمشق و"الحزب" ليس مجرد تبدل في علاقة سياسية، إنه جزء من إعادة تشكيل الجغرافيا الاستراتيجية للمشرق، حيث تحاول سوريا الانتقال من كونها عقدة في شبكة نفوذ إيرانية عابرة للحدود إلى دولة تعيد التفاوض على علاقاتها، وحدودها، وحتى على وجود القوى الأجنبية فوق أراضيها. في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، كشفت رويترز، استناداً إلى ستة مصادر مطلعة، بينها مسؤولان سوريان ومسؤول أميركي ومصدر أمني لبناني رفيع قريب من حزب الله، عن اجتماع عقد في تركيا في أيلول/سبتمبر بين مسؤولين سوريين وممثلين عن الحزب. دمشق وأنقرة نفتا الرواية بصورة قاطعة، فيما تمسكت الوكالة بمعلوماتها. هذه الرواية، ولو أنها استندت إلى تقرير صحافي متعدد المصادر يقابله نفي رسمي، لا إلى واقعة مثبتة بصورة نهائية، لكن أهمية الرواية تكمن أيضاً في أن مضمونها يتطابق مع تحول أوسع يمكن توثيقه بمعزل عن الاجتماع نفسه. فالمفاوضات المفترضة لم تتناول استعادة التحالف السابق، بل ما يشبه تنظيم الانفصال بين حليفين سابقين أصبحا على طرفي معادلة جديدة. وبحسب المصادر، أبلغت دمشق حزب الله أنها لا تعتزم التدخل عسكرياً في لبنان لنزع سلاحه، لكنها طالبت بوقف عمليات التهريب عبر الحدود وتفكيك ما تقول إنها خلايا مرتبطة بالحزب داخل سوريا. أما الحزب فتعهد، وفق الرواية نفسها، بعدم التدخل في الشؤون السورية من دون تقديم جواب مباشر عن بقية المطالب. إذا صحت هذه التفاصيل، فالأمر لا يتعلق بمصالحة، بل بمحاولة تأسيس تعايش أمني اضطراري. هنا تكمن الأهمية الاستراتيجية لسوريا. على مدى عقود، لم تكن دمشق بالنسبة إلى طهران حليفاً عربياً فحسب. كانت سوريا العقدة الجغرافية التي تسمح بوصل إيران، عبر العراق وسوريا، بحزب الله في لبنان. وقد وصفت مصادر وتحليلات غربية سقوط الأسد بأنه قطع لأهم طريق بري كان يربط إيران بالحزب. فيما تؤكد دراسات حديثة أن نظام الأسد شكّل حجر الزاوية في قدرة إيران على إسقاط نفوذها في المشرق. لذلك، لم يخسر حزب الله بسقوط الأسد نظاماً حليفاً فقط. لقد خسر بيئة جيوسياسية كانت تؤمن جزءاً أساسياً من عمقه الإقليمي. أما دمشق الجديدة فتنظر إلى المسألة من الاتجاه المعاكس. ما كان يمثل للحزب "عمقاً استراتيجياً" تريد الدولة السورية إعادة تعريفه باعتباره حدوداً سيادية. وهذا التحول ليس نظرياً. فالمباحثات السورية - اللبنانية الأخيرة تناولت بصورة مباشرة المعابر، ومكافحة التهريب، وتبادل المعلومات، وتعزيز الاتصال بين الأجهزة المختصة، بعد إنشاء اللجنة العليا المشتركة بين البلدين. إنها محاولة لنقل العلاقة، ولو تدريجياً، من شبكات القوة العابرة للحدود إلى مؤسسات الدولتين. تركيا: من داعم للسلطة إلى مدير للتوازنات؟ إذا ثبتت رواية اللقاء، فإن العنصر الأكثر دلالة فيه ربما يكون تركيا. ثلاثة من مصادر رويترز قالت إن أنقرة هي التي دفعت باتجاه الاجتماع. وهذا يتناسب مع الموقع الذي اكتسبته تركيا بوصفها أبرز الداعمين الإقليميين للسلطة السورية الجديدة، ومع محاولتها تقديم نفسها وسيطاً في نزاعات المنطقة. لكن الدور التركي يتجاوز الوساطة. فأنقرة باتت تمتلك قدرة متزايدة على التأثير في مستقبل الدولة السورية، وهو ما يضعها في تماس متصاعد مع الحسابات الإسرائيلية. وقد أظهرت تقارير غربية وإسرائيلية أن احتمال توسع الوجود العسكري التركي، ولا سيما إدخال منظومات دفاع جوي أو استخدام قواعد سورية، يثير مخاوف إسرائيلية لأنه قد يحد من حرية العمل العسكري الإسرائيلي داخل سوريا. وهكذا تظهر مفارقة استراتيجية، تراجع إيران في سوريا لا يعني بالضرورة ظهور فراغ. فقد يعني انتقال مركز الثقل نحو قوى أخرى. إيران: الغائب الذي يكشف حجم التحول ربما تكون المعلومة الأكثر حساسية في رواية رويترز أن إيران لم تشارك في الاجتماع المفترض. فبحسب مصدر أمني لبناني تحدث للوكالة، كان حزب الله قد أطلع طهران على الاتصال، لكن الإيرانيين أبدوا استياءهم من استبعادهم، فيما لم يُظهر الرئيس أحمد الشرع استعداداً لإقامة علاقة مباشرة معهم في المرحلة الراهنة. إذا ثبت ذلك، فهو يحمل معنى يتجاوز البروتوكول. فالعلاقة بين دمشق وحزب الله كانت لعقود جزءاً من مثلث دمشق - طهران - الحزب. أما الآن فتظهر إمكانية إدارة دمشق لعلاقتها بالحزب من دون أن تكون إيران طرفاً مباشراً في الغرفة. ولا يعني ذلك فك ارتباط حزب الله بإيران، ولا خروج طهران نهائياً من المشرق. لكنه يعني أن احتكارها السابق لإدارة هذه المساحة الجيوسياسية تعرض لضربة بنيوية. لكن اعتبار تركيا الوريث الوحيد للنفوذ الخارجي في سوريا سيكون تبسيطاً آخر. روسيا،