شهدت سوريا خلال اليومين الماضيين سلسلة حوادث أمنية وخطيرة طالت قطاعات حيوية ومواقع مرتبطة بالطاقة والنقل، بدءاً من انفجار استهدف خطاً للطاقة في دير الزور، مروراً بانفجار خط الغاز المغذي لمحطة تشرين الحرارية في ريف دمشق، وصولاً إلى هجوم مسلح استهدف حافلة تقل مهندسين وعمالاً قرب جسر مصياف، وأسفر عن قتلى وجرحى. وبينما لم تُحسم بعد المسؤولية عن جميع الوقائع، فإن طبيعة الأهداف وتداعياتها تفرض تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الأحداث منفصلة، أم أنها تعكس نمطاً أوسع يستهدف قدرة الدولة على حماية البنية التحتية والخدمات الأساسية. وكان انفجار خط الغاز المغذي لمحطة تشرين قد أدى إلى خروج محطات تشرين ودير علي والناصرية عن الخدمة، وتوقف إمدادات الغاز اللازمة لتشغيلها، في حادث جاء بعد أيام قليلة من حريق استهدف صمام خط غاز في منطقة الشولا بريف دير الزور، قالت الشركة السورية للبترول إنه نجم عن عمل تخريبي. وأكدت وزارة الطاقة في بيان، بدء الفرق الفنية بإعادة ضغط خط الغاز بين عدرا ودير علي تدريجياً، تمهيداً لإعادة المحطات إلى الخدمة تباعاً مع استمرار المراقبة الفنية. ولا تقتصر تداعيات استهداف خطوط الطاقة على الأضرار المباشرة التي تصيب الأنابيب والصمامات، إذ يمتد تأثيرها سريعاً إلى إنتاج الكهرباء والمياه والنشاط الاقتصادي، في وقت تواجه فيه البلاد أصلاً تحديات معيشية واقتصادية واسعة. تداعيات تتجاوز الجانب الأمني ويرى سمير العبد الله، الباحث الأول في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، أن التقارب الزمني بين الهجمات وطبيعة الأهداف المستهدفة لا يسمح بالتعامل معها بسهولة باعتبارها وقائع منفصلة، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة انتظار نتائج التحقيقات قبل توجيه الاتهامات. وقال العبد الله في حديثه لـ"المدن": "لا أعتقد أننا أمام حوادث منفصلة؛ فالتوقيت الذي نُفّذت فيه هذه الهجمات، إلى جانب طبيعة الأهداف التي طاولتها، يوحي بوجود جهات تسعى إلى التأثير في مسار الدولة السورية، لكن ليس بالضرورة أن تقف جهة واحدة خلفها جميعاً؛ إذ تتعدد الأطراف التي قد تجد مصلحة في إرباك الاستقرار، بدءاً من خلايا تنظيم (داعش) وفلول النظام السابق، مروراً ببعض الجهات التابعة لقسد وغير الراضية بمسار الاندماج، وقوى الأمر الواقع في السويداء، وصولاً إلى احتمال استثمار قوى إقليمية معادية، مثل إيران وإسرائيل، في هذا المسار". واعتبر أن استهداف خطوط الطاقة والغاز في هذا التوقيت يمكن أن يفاقم الاحتقان الشعبي المتزايد، في ظل رفع أسعار الكهرباء والمحروقات، ومشكلات الاستملاك، والضغوط المعيشية التي يواجهها السوريون، لذلك لا ينبغي النظر إلى هذه الهجمات بوصفها اعتداءات أمنية محدودة، بل باعتبارها محاولة محتملة لإضعاف الثقة بقدرة الدولة على حماية الخدمات الأساسية وإدارة مرحلة الاستقرار، حسب تعبيره. من جهته، يلفت محمد سليمان، باحث في مركز جسور للدراسات، إلى أن خطورة الأحداث لا ترتبط فقط بمواقع الانفجارات، وإنما بكون الأهداف شملت بنية تحتية حيوية وكفاءات فنية، إلى جانب الهجوم على حافلة العاملين، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات تتصل بمحاولة تعطيل مسار الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وقال سليمان في حديثه لـ"المدن": "إن التقارب الزمني بين هذه الأحداث يثير تساؤلات جدية حول احتمال وجود نمط من الاستهداف الممنهج، أكثر من كونها حوادث منفصلة". وحسب تعبيره، فإن تزامن هذه الأحداث يطرح احتمال ارتباطها بمحاولات تهدف إلى إعاقة جهود استعادة وترسيخ الاستقرار الأمني والاقتصادي والاجتماعي في سوريا، فضلاً عن تقويض الدور السياسي الإقليمي الذي تسعى سوريا إلى ترسيخه وتعزيز حضورها فيه. ومع ذلك، وبغض النظر عن تعدد الجهات التي قد تكون مسؤولة عن هذه الحوادث أو احتمال وجود خلل فني في بعضها، فإن ما جرى يفرض على الحكومة السورية تعزيز إجراءات الحماية والوقاية وفتح تحقيقات شفافة وعلنية ومستقلة تكشف ملابسات هذه الحوادث وتحدد المسؤوليات عنها، بما يسهم في معالجة أوجه الخلل ومنع تكرار مثل هذه الوقائع المترابطة مستقبلاً، وفق سليمان. استهداف الطاقة يضغط على الكهرباء والاستثمار وتظهر خطورة استهداف منشآت الطاقة أيضاً في الآثار الاقتصادية المتسلسلة. فبحسب خبير في الهندسة الجيوفيزيائية والطاقة، فإن المشكلة لا ينبغي أن تُختزل في إصلاح خط متضرر، بل في بناء منظومة قادرة على امتصاص الصدمات. ويشير إلى أن توقف محطات التوليد يؤدي إلى تراجع الكهرباء وضخ المياه، بينما تتوزع الخسائر بين تكاليف إصلاح الأنابيب والصمامات والغاز المفقود والطاقة التي لم تُنتج، فضلاً عن توقف مصانع وورش، وارتفاع تكاليف الاستثمار على المدى الطويل. وتكمن إحدى النقاط الأكثر حساسية في ارتباط أمن الطاقة بثقة المستثمرين، فالمستثمر، وفق هذا الطرح، لا ينظر فقط إلى سعر