تتجاوز الأزمة في لبنان حدود تعطّل المؤسّسات واضطراب الاقتصاد وانكشاف السّيادة وتراجع فاعليّة الحوكمة السّليمة، لتلامس سؤالًا أكثر عمقًا يتّصل بمعنى الوجود السّياسيّ نفسه. الدّولة حاضرةٌ في النّصوص، وفي المؤسّسات، وفي الشّكل الدّستوريّ والقانونيّ، لكنّ حضورها يتراجع كلّما انتقلنا من تعريفها إلى فعلها، ومن هيكليّتها إلى قدرتها، ومن شرعيّتها النّظريّة إلى ممارستها الفعليّة للسّيادة. أمام هذه المفارقة، يصبح استحضار جان بول سارتر مدخلًا فلسفيًّا لفهم المأزق اللبنانيّ، لا باعتباره فيلسوفًا للعدميّة بالمعنى المبسّط للكلمة، بل لأنّه جعل العلاقة بين الوجود والعدم والحرّيّة والمسؤوليّة إحدى أكثر مسائل الفلسفة الوجوديّة راديكاليّة. في "الوجود والعدم"، لا يظهر العدم عند سارتر فراغًا ساكنًا أو نفيًا للوجود، بل إمكانًا يولد داخل الوعي نفسه، إذ يستطيع الإنسان أن ينفي الواقع المعطى وأن يتجاوزه نحو ما لم يتحقّق بعد. الإنسان ليس ماهيّةً مكتملةً تحدّد مصيره مسبقًا، بل مشروعٌ يتكوّن من خلال أفعاله واختياراته. من هنا تصبح الحرّيّة ملازمةً للمسؤوليّة، ويصبح الهروب من هذه المسؤوليّة أحد أشكال ما سمّاه سارتر "سوء النيّة" (La Mauvaise Foi) أن يتصرّف الإنسان كما لو أنّه شيءٌ تحدّده ظروفه بصورة نهائيّة، وأن يقنع نفسه بأنّه لا يملك إمكان الاختيار، فيما يكون هروبه من الاختيار اختيارًا بحدّ ذاته. من هذه الزاوية، يمكن قراءة جزءٍ كبير من السّلوك السّياسيّ اللبنانيّ بوصفه إنتاجًا مستمرًّا لسرديّة العجز. التّوازنات لا تسمح، والطّوائف لا تقبل، والخارج يتدخّل، والإقليم مضطرب، والمجتمع منقسم، والإصلاح يحتاج إلى توافق، والتّوافق يحتاج إلى تسوية، والتّسوية تحتاج إلى انتظار الظّرف المناسب. هكذا يتحوّل الانتظار تدريجيًّا إلى سياسة، والتّعطيل إلى أداة حكم، والاستثناء إلى قاعدة، فيما تتراجع المسؤوليّة خلف شبكةٍ معقّدة من التّبريرات المتبادلة. المفارقة، أنّ المنظومة كثيرًا ما تصنع الوقائع التي تعود لاحقًا إلى التذرّع بها. فهي تكرّس البنية الطّائفيّة الزبائنيّة المفتوحة على الولاءات العابرة للحدود، ثمّ تستنتج أنّ المجتمع لا يستطيع الخروج منها، وتضعف المؤسّسات ثمّ تستند إلى ضعفها لتبرير استمرار البدائل عنها، وتوزّع الإدارة وفق منطق المحاصصة ثمّ تتحدّث عن عجز الإدارة، وتقبل بتعدّد مراكز النّفوذ والقرار ثمّ تصف استعادة القرار الوطنيّ الجامع بأنّها مسألةٌ شديدة التّعقيد. هكذا تنشأ دائرةٌ مغلقةٌ من إنتاج العجز ثمّ الاحتماء به، بحيث تتحوّل نتائج الممارسة السّياسيّة إلى ذرائع لاستمرار الممارسة نفسها. من هنا يكتسب مفهوم "سوء النيّة" السّارتريّ دلالةً سياسيّة لبنانيّة لافتة. فسوء النيّة لا يعني الكذب على الآخرين بقدر ما يعني، في عمقه، بناء علاقةٍ زائفة مع الذّات تسمح لها بالهرب من حرّيّتها ومسؤوليّتها. عندما يُسقط هذا المفهوم على الفضاء العام، يصبح السؤال ماذا يحدث عندما تتصرّف منظومةٌ كاملة كما لو أنّها ضحيّةٌ لبنيةٍ تشارك هي نفسها في إعادة إنتاجها؟ عندها لا يعود العجز مجرّد نتيجةٍ للأزمة، بل يصبح أحد شروط استمرارها. المعضلة اللبنانيّة، بهذا المعنى، ليست في غياب الدّولة غيابًا كاملًا، لأنّ غيابها الكامل كان سيجعل التّشخيص أكثر بساطة. المعضلة تكمن في أنّ الدّولة موجودةٌ وغير موجودة في الوقت نفسه. لها دستور،ٌ وحدود،ٌ ومؤسّساتٌ، وجيشٌ، وقضاءٌ، وإدارةٌ، وبرلمانٌ، وحكومةٌ، واعترافٌ دوليّ، لكنّ السؤال يبقى في مدى قدرة هذه العناصر مجتمعةً على التحوّل إلى فعل دولة يحتكر القرار الشّرعيّ، ويحمي المصلحة العامّة، ويضمن المساواة، ويفرض القانون، وينتج سياساتٍ عامّةً مستقلّةً وقابلةً للمساءلة. هنا يصبح العدم سياسيًّا، لأنّ تفريغ الدّولة لا يحتاج بالضّرورة إلى إلغائها. يمكن الإبقاء على المؤسّسات وعلى أسمائها وهياكلها، فيما تُستنزف وظائفها تدريجيًّا. ويمكن أن يبقى الدّستور حاضرًا، فيما يصبح تنفيذ بعض استحقاقاته خاضعًا لموازين القوى والتّسويات. ويمكن أن تبقى الإدارة قائمةً، فيما تتراجع قدرتها تحت ضغط المحاصصة والتدخّلات. ويمكن أن تستمرّ الجمهوريّة في شكلها القانونيّ، فيما يضعف المعنى الفعليّ للجمهوريّة بوصفها مساحةً للمواطنة والمصلحة العامّة. وهكذا لا تسقط الدّولة دفعةً واحدة، بل تُستنزف وجوديًّا إلى أن يصبح شكلها أكثر حضورًا من مضمونها. يتجلّى هذا المأزق بصورةٍ أكثر وضوحًا عندما تتحوّل الطّائفيّة الزبائنيّة المفتوحة على الولاءات العابرة للحدود، من واقعةٍ تاريخيّة واجتماعيّة إلى ماهيّةٍ نهائيّة للبنان واللبنانيّين/ات. المشكلة لا تكمن في الاعتراف بالتعدّديّة، التي تشكّل إحدى الخصائص البنيويّة للمجتمع اللبنانيّ، بل في تحويل الانتماء الطّائفيّ إلى قدرٍ سياسيّ مغلق، وكأنّ المواطن/ة لا يستطيع أن