في زمن الخوارزميات.. أنت شو طائفتك؟ 5 تشرين الأول 2026 · 12:49 ص قراءة في دقيقتين حجم الخط نحن بلد بارع في تحليل ما يفعله الآخرون، وأقل براعة بكثير في مساءلة ما نفعله بأنفسنا. نعرف خرائط الدول ومشاريعها وتحالفاتها، ونناقش مخططات الشرق والغرب، ونختلف حول من يريد ماذا من لبنان، لكننا لا نسأل بالجدية نفسها: ماذا يريد لبنان من نفسه؟ أي دولة نريد؟ أي اقتصاد؟ أي تعليم؟ أي سياسة خارجية؟ أي استراتيجية أمنية ودفاعية؟ أي مكان نريد أن نحتله في عالم يتغير بسرعة مخيفة؟ وهل نملك أصلاً المؤسسات القادرة على إنتاج هذه الإجابات؟ الدولة ليست علماً ونشيداً وحدوداً مرسومة على الخريطة. الدولة عقل. وحين يتوقف هذا العقل عن العمل، تبقى الجغرافيا والمشكلة أننا ما زلنا نفهم «العلم» بطريقة شديدة السطحية. نعتقد أن امتلاك أحدث هاتف يعني أننا دخلنا عصر التكنولوجيا، وأن استخدام الذكاء الاصطناعي يعني أننا أصبحنا جزءاً من الثورة المعرفية. لكن الفرق هائل بين مجتمع يستهلك التكنولوجيا ومجتمع ينتج المعرفة التي تصنع التكنولوجيا. العلم ليس الجهاز الذي نحمله. العلم هو العقل الذي يعرف ماذا يفعل بالجهاز، ومن صنعه، ولماذا صنعه، وما البيانات التي يأخذها، وكيف يمكن استخدامه في تشكيل الاقتصاد والسلوك لم تعد القوة فقط دبابة تعبر الحدود أو طائرة تقصف مدينة. القوة اليوم قد تكون خوارزمية تعرف ما الذي يخيفك، ومنصة تعرف ما الذي يغضبك، ومعلومة تصل إليك في اللحظة المناسبة، واقتصاداً يستطيع خنق دولة من دون إطلاق رصاصة، وذكاءً اصطناعياً يستطيع صناعة صورة وصوت ورواية يصعب على الإنسان العادي التمييز . وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجاً: عندما نفتح هواتفنا كل صباح وننتقل بين الأخبار والفيديوهات والتعليقات والصور، هل نحن فعلاً نراقب العالم؟ أم أن العالم، بطريقة ما، أصبح يراقبنا ويختبر استجاباتنا ويعرف كيف يجذب انتباهنا ويوجّه انفعالاتنا؟ لا أقول إن هناك غرفة سرية يجلس فيها بضعة أشخاص ويحركون البشرية بأزرار. هذا التفسير ساذج بقدر سذاجة الاعتقاد بأن القوة العالمية تعمل بلا مصالح أو أدوات تأثير. الحقيقة أكثر تعقيداً: هناك دول، وشركات، ومؤسسات، وأسواق، ومصالح متقاطعة، وكل منها يحاول توسيع نفوذه بما يملك. نحن في لبنان ما زلنا نستنزف طاقاتنا في انقسامات عمرها عقود، ونستحضر التاريخ لكي نخوض معارك المستقبل، بينما المستقبل نفسه لا ينتظرنا. العالم يناقش الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والأمن السيبراني، والفضاء، والطاقة، والمياه، والبيانات، والتحولات الديموغرافية، ونحن ما زلنا نسأل في كثير من الأحيان: من أي طائفة أنت؟ ومن زعيمك؟ ومع أي محور تقف؟ وهنا تحديداً تصبح الطائفية أكثر من مجرد مرض سياسي. تصبح عجزاً معرفياً؛ لأنها تجعل الإنسان يقرأ الحقيقة من خلال هويته. لهذا فإن القول إن كل مصائبنا صُنعت في الخارج هو هروب من المسؤولية، تماماً كما أن القول إن الخارج لا علاقة له بما يجري في منطقتنا، هو إنكار لطبيعة السياسة والجغرافيا والمصالح. نحن بحاجة إلى شجاعة فكرية تسمح لنا بحمل حقيقتين في الوقت نفسه: نعم، هناك صراع مصالح ونفوذ ومشاريع دولية وإقليمية لا ترحم الضعفاء. ونعم، نحن مسؤولون عن بناء دولة تجعل اختراقنا واستغلال انقساماتنا أكثر صعوبة.