تمارس الإدارة الأمريكية هيمنة فظة على الدولة اللبنانية عبر وسائل إمبراطورية عديدة، وتُعتبر سفارتها إحدى هذه الأدوات التي تقوم بأدوار تتعدى الدبلوماسية واتفاقيات فيينا وكل الأعراف، ليس فقط في المضمون بل حتى في الشكل؛ تتعاطى بعنجهية واستخفاف مع أقرب السلطات إليها اليوم كالسلطة اللبنانية. هي تهيمن على القرار السياسي والمؤسسات، وتخطف الدولة وتهدد وحدتها، ويكاد لا يكون هناك عنوان ومجال من مجالات الدولة إلا ولأمريكا تدخل مباشر فيه، أو عبر المؤسسات، أو عنوة، ولا يخلو مجال من مجالات فعل الدولة؛ الاستراتيجي أو الأمني والعسكري أو السياسي والاقتصادي والنقدي أو القضائي والإعلامي، بل والثقافي والنفسي، والأخطر من ذاك كله التهديد لكينونة وكيان لبنان. والهدف واحد: خطف الدولة وابتزازها وجعلها رهينة لسياساتها ودرعاً يحتمي به المشروع الإسرائيلي التوسعي عندما تتحداه وترفضه الشعوب، أو تعديل هويتها إلى "الحياد"، والمقصود حياد أمريكي كابتكار اصطلاح جديد للانحياز!! ولا تتوقف عن خوضها وتوجيه أدواتها في مواجهة المقاومة وتيارها في لبنان، المعادي لإسرائيل وللهيمنة الأمريكية. واستمر الصراع الخفي بين المقاومة والهيمنة الأمريكية في لبنان وتراوح بين الاحتكاك والصدام المباشر، فتعايش سلبي قلق وحذر ومتربص. منذ إنشاء لبنان لم يرد الغرب عموماً، ثم أمريكا خصوصاً، يوماً ما دولة فيه، بل أقصى ما قبلوا به هو مؤسسات، أي هياكل مفرغة من التعبير والتمثيل السياسي الفاعل للشعب، أي نقش بلا عرش. فلا يُسمح للبنان أن يكون صاحب قراره ليمتلك قرار الحرب والسلم، ولا يُسمح له أن يمتلك قوة وقدرة للدفاع عن ذاته. ولذلك لا يُسمح للبنانيين أن يروا أنفسهم يقودون التحرر، إنما البقاء مغلولين في أصفاد التبعية، التي يحملها اللبنانيون فيُصَفِّقون لحالهم أنهم أخذوا بالحداثة. ولذاك رأينا كيف سعت أمريكا في تعزيز الديمقراطيين وسعت لإسقاط الديمقراطية. وقد اتضح أنه مهما تغيرت الحكومات في أمريكا بين الحزبين التاريخيين فإن نظرة أمريكا للبنان لم تتغير، أما التدخل فكان يزيد حدة ويقل، ينعم أو يخشن، ربطاً بمجموعة مؤشرات وتطورات دولية وإقليمية تتابعها الإدارة الأمريكية، أما الهدف فيبقى ثابتاً لا يتغير ويستمر السير الحثيث والعمل نحوه دونما توقف وبخطوات متتالية للتخلص من مقاربة المقاومة ومن المقاومة في لبنان، والتي هي مقاربة لأكثر من نصف اللبنانيين حيال دولتهم ومكانتها وهويتها والعدو والتعاطي معه؛ أي أن السياسة الأمريكية تعاطت مع لبنان كساحة طرفية إلى أن برزت مقاومة حزب الله، فصار يمتلك محل تركيز يتجاوز التحزبات عندهم، ويتصل بمقاربة الدولة للأمن الصهيو-أمريكي القائم على ضرب واحتواء المقاومة. اعتمدت الهيمنة الأمريكية في لبنان على أدوات عمل وأساليب كثيرة على غرار الدول، كان منها شراء النخبة والسلطة، وعندما عجزت في مواجهة الشعب اتجهت لممارسة المواجهة من خلال المؤسسات مع الغالبية الشعبية من أجل أن تخلق أزمة دولة؛ حيث يتم التركيز على تعميق الاستقطاب بين الشعب والسلطة السياسية، ويصير التصدي لأمريكا يمر عبر المواجهة مع السلطة كما حدث في غالبية الدول العربية، فتُجَرُّ الدول إلى فوضى مضبوطة وإجهاد وتعب وإنهاك لمساوماتها لتقديم تنازلات جوهرية والتقسيم أحياناً كما مع بعض الدول العربية الأخرى. ومن أدوات هيمنتها أيضاً رهانها على استعدادات بعض النخبة التي تعيش ذهنية وقابلية التبعية والقبول بكل ما يصدر عنها. ومن شدة إعجاب أمريكا بلبنان أنها بنت فيه سفارة قيل فيها إنها إحدى أكبر المراكز لأمريكا في غرب آسيا، فهل كل ذلك من أجل لبنان؟! أم هو للمنطقة ككل ولبنان هنا له فيها دور مستودع ومنطلق لكون بعض قاطنيه لا يرون هويتهم بعيداً عن أمريكا؟ لا يتسع البحث في هذه المقالة عن الإمبريالية الأمريكية وما فعلته وتفعله منذ أول تدخل عسكري لها في لبنان، مع الرئيس كميل شمعون لتثبيته كحليف لها أو "تابع"، إلى يومنا هذا، فهذا يحتاج إلى بحوث مستفيضة ربما حان وقت تظهيرها. ومنذ حينها استمرت قوى المقاومة المختلفة بخوض المواجهة وتنوعت أساليبها، لكن منذ التسعينات عمدت المقاومة وبالذات حزب الله للعمل تحت أسقف محددة مراعاةً لاعتبارات داخلية أولاً وخارجية. لقد غلب على أسلوب المواجهة الأسلوب البارد والنظامي؛ أي من داخل المؤسسات ما أمكن، فكثيراً ما اقتصر التصدي على موقف هنا أو بيان هناك أو اعتراض في جلسة حكومية أو بيان التدخلات الأمريكية وتسجيلها وعرضها للرأي العام، أملاً في أن يؤدي ذلك إلى تنبيه جماعات أمريكا على مخاطر سياستها بغية التمايز عنها أو تراجعها هي.. لكن ذلك كله لم يجد نفعاً، بل جرّأ أمريكا وزاد من صلف تدخلها، وهو ما نراه اليوم بأبشع وأفظع صوره مع الإدارة الأمريكية الحالية. فهي تذل لبنان يومياً بدفعه إلى الاستسلام مستندة إلى سلطة رخوة