أقرّ المجلس الأعلى للجمارك، الخميس 27 آب 2026، بناءً على اقتراح المدير العام للجمارك، تخفيض الغرامة المفروضة على مالك ناقلة «HAWK III» من عشرة ملايين دولار إلى سبعة ملايين، بالتوازي مع المباشرة بإجراءات بيعها في المزاد العلني. ويهدف القرار إلى منع تلف الناقلة وتراجع قيمتها، وتفادي تكرار كارثة الإهمال التي حصلت مع «RHOSUS». وكان القضاء قد حجز كفالة مصرفية تتجاوز قيمتها الإجمالية 3 ملايين دولار. ويُتوقع أن تستقطب الناقلة اهتماماً جدياً في المزاد، في ظل ارتفاع أسعار ناقلات الوقود وأجور الشحن البحري عقب حرب الخليج الأخيرة، إذ قاربت أجرة نقل شحنة مماثلة من اليونان إلى لبنان مليون دولار. وحملت «HAWK III» فيول أويل روسي المنشأ مرّ عبر تركيا لتمويه مصدره، قبل أن تضبطها الجمارك إثر إخبار تقدّم به المهندس فوزي مشلب، الذي سبق أن حذّر وزير الطاقة جو صدي من التعامل مع الشركة المورّدة «Sahara Energy Resources DMCC». وعندما حاولت الناقلة الفرار، نفّذ الجيش اللبناني عملية إنزال جوي وبحري وأوقفها على مسافة نحو 33 ميلاً بحرياً من الساحل. وقد أثبتت التحقيقات صحة المعلومات المتعلقة بالمنشأ الروسي والمرور عبر تركيا، فضلاً عن التناقض بين المسار الحقيقي للناقلة والمستندات المقدّمة. وحاولت «Sahara Energy» ومديرها Collin Raccah التملّص من المسؤولية بحجة شراء الشحنة من «Galileo Trading DMCC» وفق شرط «DAP»، أي التسليم في بيروت. لكن «DAP» يحدّد مكان التسليم وتوزيع التكاليف والمخاطر التجارية، ولا يعفي المورّد من التحقق من منشأ البضاعة وصحة مستنداتها. كما لا يسمح له بالادعاء بأنه اشترى الشحنة في بيروت من شركة وسيطة، ثم باعها في بيروت إلى وزارة الطاقة، فيما حمّله العقد التزامات تبدأ في مرفأ التحميل وتستمر حتى التفريغ. وكان على المورّد تتبّع الناقلة، وتقديم خريطة حركتها، وتعيين شركة رقابة لمعاينة التحميل. كما تفرض قواعد الامتثال على شركات النفط التحقق من المنشأ والسفن والوسطاء والأطراف المتعاملة معها. والأهم أن العقد يحمّل «Sahara Energy» المسؤولية عن أخطاء ومخالفات الجهات التي استعانت بها لتنفيذه، ما يمنعها من تحميل «Galileo» أو شركة الرقابة وحدهما المسؤولية. وفي موازاة ذلك، تتجه الأنظار إلى قاضي التحقيق في بيروت شهرزاد ناصر، خصوصاً أن Raccah حضر إلى لبنان للاستجواب، لكنه لم يُوقَف أو يُمنع من السفر، وغادر البلاد في اليوم نفسه. ويثير ذلك تساؤلات عن الضمانات التي أُعطيت له، في وقت أُوقف فيه موظف لدى شركة رقابة محلية كان دوره محدوداً مقارنة بدور الشركة المورّدة ومديرها. وبعد ثبوت الوقائع الأساسية، أصبح استدعاء Raccah مجدداً واتخاذ التدابير اللازمة لضمان حضوره أمراً ضرورياً. كما أفاد، وفق ما ورد في الملف، بأن «Sahara Energy» اشترت، بالتعاون مع «Galileo»، أكثر من ست شحنات سابقة أُرسلت إلى لبنان بالأسلوب نفسه، ما يفرض فتح ملفاتها ومطابقة مستنداتها مع حركة الناقلات ومرافئ التحميل والتحويلات المالية. ويجب أن يشمل التحقيق أيضاً المديرية العامة للنفط، وتحديد كيفية قبول هذه الشحنات، ومن راقب تنفيذ العقود، وما إذا كان تكرار الآلية ناتجاً عن إهمال جسيم أو تسهيل متعمّد. وكان مشلب قد طلب رسمياً، عبر النيابة العامة المالية، الاستماع إليه وتقديم خرائط التتبّع والمستندات الموجودة بحوزته. وبعد ثبوت صحة معلوماته الأساسية، لم يعد تجاهل هذا الطلب مبرراً. إن بيع «HAWK III» وتحصيل الغرامة لا يكفيان. فالملف يتعلق بأكثر من ست شحنات اشتُريت من الشركة الوهمية نفسها، عبر الأسلوب نفسه، وبعشرات ملايين الدولارات، فضلاً عن حسابات مصرفية وعقارات تعود إلى مديري الشركة المورّدة، ويمكن للقضاء تتبّعها والحجز عليها في لبنان والخارج. القضية باتت اختباراً جدياً للقضاء: إما كشف كامل الشبكة ومحاسبة من أدارها واستفاد منها، أو الاكتفاء ببيع الناقلة وترك المسؤولين الحقيقيين خارج دائرة المحاسبة.