تتقدّم إسرائيل نحو تثبيت مرحلة جديدة في جنوب لبنان، لا تقوم فقط على مواصلة الغارات والتفجيرات وعمليات التمشيط، بل على تحويل الوجود العسكري الحالي إلى تموضع طويل الأمد، يمتد في بعض القطاعات إلى عمق يصل إلى 12 كيلومترًا داخل الأراضي اللبنانية. وفي المقابل، تروّج وسائل إعلام إسرائيلية لرواية مفادها أن "حزب الله" يعيد توزيع قدراته العسكرية نحو مناطق أعمق، في إقليم التفاح وجبل الريحان وجبل صافي، بعد خسارته مواقع ومنشآت في الجنوب. وبين الروايتين، يتشكّل مشهد جديد جنوبًا، إسرائيل توسّع مفهوم "الدفاع" ليبدأ من داخل الأراضي اللبنانية، فيما تقول إن "حزب الله" ينقل جزءًا من قدراته بعيدًا من مناطق انتشارها التقليدية. وهذه المعادلة لا تعكس انتهاء المواجهة، بقدر ما توحي بإعادة رسم جغرافيتها وحدودها. رواية إسرائيلية عن إعادة تموضع الحزب وكانت القناة 12 الإسرائيلية قد نقلت ادعاءات عن نقل "حزب الله" صواريخ دقيقة ومنظومات دفاع وأسلحة وذخائر باتجاه إقليم التفاح وجبل الريحان وجبل صافي، في إطار إعادة تموضع جاءت، وفق الرواية الإسرائيلية، بعد خسارة مواقع استراتيجية في مناطق جنوبية. وبحسب N12، استندت هذه الرواية إلى ما وصفته بـ"مصادر عسكرية لبنانية"، من دون الكشف عن هويتها أو الجهة التي تنتمي إليها. وزعمت المصادر أن الحزب نقل مخازن أسلحة وتجهيزات عسكرية، وأن بعض قادته انتقلوا بدورهم إلى مناطق خلفية أكثر تحصينًا. كما ادّعت أن جزءًا من الأسلحة أُعيد توزيعه داخل قرى وبالقرب من مبانٍ ومنازل. وبحسب التقرير الإسرائيلي، ارتبطت هذه الخطوة بخسارة الحزب بعض المواقع والأنفاق التي كانت تمنحه قدرة أفضل على الحركة والعمل في جنوب لبنان، وخصوصًا في محيط مرتفعات علي الطاهر. إلا أن هذه المعطيات تبقى جزءًا من الرواية الإسرائيلية، ولم تُدعَم بمعطيات لبنانية رسمية مستقلة تؤكد حجم عمليات النقل أو طبيعتها. وفي المقابل، تكشف التقارير الإسرائيلية نفسها عن تحوّل أعمق في طريقة انتشار الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية. فبحسب تقرير للصحافي إليشع بن كيمون في "يديعوت أحرونوت"، أنهى لواء المظليين الاحتياطي 55 مهمة استمرت 100 يوم، بينها نحو 80 يومًا من العمليات داخل لبنان، وتركّز نشاطه في المنطقة الممتدة من الحدود إلى ما يسمّيه الجيش الإسرائيلي "الخط الأصفر". واللافت أن الجيش الإسرائيلي لا يقدّم هذا الوجود بوصفه انتشارًا موقتًا، بل جزءًا من مفهوم عسكري جديد لما يسمّيه "الدفاع المتقدّم". وينقل التقرير عن مصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن عمق القطاع الذي تعمل فيه القوات يصل إلى نحو 12 كيلومترًا من الحدود، وأن الفكرة تقوم على نقل خط الدفاع الإسرائيلي من الحدود نفسها إلى داخل الأراضي اللبنانية. وبحسب مصدر أمني إسرائيلي، فإن "الدفاع عن نهاريا" بات، وفق هذا التصور، يبدأ من داخل مجدل زون، لا من الخط الحدودي. وبهذه المقاربة، لا يعود "الخط الأصفر" مجرد خط عمليات ميداني، بل يتحول فعليًا إلى منطقة أمنية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، تسعى المؤسسة العسكرية إلى تثبيتها وتجهيزها لفترة طويلة. وتذهب الرواية الإسرائيلية أبعد من ذلك. فقيادة المنطقة الشمالية ترى، بحسب التقرير، أن التموضع الحالي يمنح القوات نقطة انطلاق لأي عملية مستقبلية أعمق داخل لبنان. ونقل "يديعوت أحرونوت" عن مصدر أمني قوله إن القوات الموجودة حاليًا عند أعمق امتداد لـ"الخط الأصفر" يمكنها، عند صدور القرار، الوصول إلى مشارف صور خلال "ليلة واحدة". وهذه العبارة ليست تفصيلًا عسكريًا عابرًا، بل تكشف طبيعة التحول الذي تسعى إسرائيل إلى تكريسه، أي الانتقال من منطق منع التسلل عبر الحدود إلى الاحتفاظ بقدرة دائمة على الانطلاق من عمق الأراضي اللبنانية نحو مواقع أبعد. وتعكس الاستعدادات للشتاء بدورها هذا الاتجاه، إذ يجري تجهيز المواقع والطرق، وتزويد المباني التي تستخدمها القوات بالمولدات والتجهيزات اللازمة للإقامة الطويلة، في مؤشر إلى أن الجيش الإسرائيلي يتعامل مع وجوده الحالي بوصفه انتشارًا مستمرًا لا عملية قصيرة الأجل. المنصوري ومجدل زون: جيب لم يُحسم وتحتل المنصوري ومجدل زون موقعًا بارزًا في الرواية الإسرائيلية الجديدة. فبحسب تقرير "يديعوت أحرونوت"، تعتبر المؤسسة العسكرية أن المنطقة الواقعة حول البلدتين بقيت من أكثر الجيوب تعقيدًا، وأن عمليات التمشيط فيها لم تُستكمل بالكامل. ويزعم الجيش الإسرائيلي أن "حزب الله" استغل الفترة التي أعقبت وقف إطلاق النار لتعزيز وجوده في المنطقة، فيما تقول مصادر إسرائيلية إن لواء 55 دمّر أكثر من 600 منشأة وبنية عسكرية خلال عمله، بينها فتحات أنفاق ومستودعات أسلحة ومنصات إطلاق. ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من هذه الأرقام، لكن الأهم سياسيًا هو أن المؤسسة العسكرية تستخدم هذه الرواية ل