هناك لحظات في حياة الرجال لا تشبه ما قبلها. لحظات لا يعود فيها الزمن مجرد سنوات تتراكم، ولا الأيام مجرد تواريخ في سيرة طويلة، بل يتحوّل كل يوم فيها إلى احتمال، وكل خطاب إلى ما يشبه الوصية، وكل ظهور إلى صورة قد لا تتكرّر. بالنسبة إلى السيّد حسن نصرالله، كانت الأشهر الأخيرة من حياته شيئاً من هذا القبيل. بعد أكثر من ثلاثة عقود على تولّيه الأمانة العامة لحزب الله، وبعد سنوات طويلة عاش خلالها في قلب واحدة من أكثر البيئات الأمنية تعقيداً في المنطقة، وجد نفسه أمام مرحلة لم تبدأ في الجنوب اللبناني وحده، ولم تكن حدودها لبنان. كانت غزة قد فتحت جبهة جديدة في المنطقة بعد عملية طوفان الأقصى، وكان الجنوب اللبناني قد عاد إلى واجهة المشهد. وكان السيّد، الذي أمضى سنوات وهو يحمل قضية فلسطين والقدس والمواجهة، يجد نفسه في آخر فصول حياته واقفاً مرة أخرى أمام السؤال نفسه الذي رافقه منذ بداياته: كيف يمكن لجبهة صغيرة على الخريطة أن تصبح جزءاً من معركة أكبر من حدودها؟ غزة... حين عاد الجنوب إلى الواجهة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، شنّ الاحتلال الإسرائيلي الحرب على غزة، وبعدها بيوم بدأت المواجهات على الحدود اللبنانية الفلسطينية بين حزب الله وجيش العدو الإسرائيلي، دعماً لغزة وللشعب الفلسطيني الذي يعاني الويلات من الاحتلال. وبينما كانت الحرب في غزة تتّسع، بدأ الجنوب اللبناني يعيش حرباً موازية لها إيقاعها الخاص: قصف متبادل، اغتيالات، استهدافات، نزوح من القرى الحدودية، وقرى كاملة دخلت في دائرة النار. وفي أيلول/سبتمبر 2024، بدأ التصعيد على الحدود اللبنانية يبلغ مستوى خطيراً، مع اتّساع نطاق المواجهات وازدياد حدّتها، في وقت كان فيه عشرات الآلاف قد غادروا منازلهم على جانبي الحدود بسبب الاعتداءات المتكرّرة والتدمير الذي تعرّض له جنوب لبنان. لكن بالنسبة إلى السيّد حسن نصرالله، لم تكن تلك الجبهة مجرّد حدود. بل بقي الجنوب مرتبطاً بغزة، وغزة مرتبطة بفلسطين، وفلسطين مرتبطة بالاحتلال منذ النكبة عام 1948. وهكذا، عاد السيّد حسن نصرالله، الذي ارتبط اسمه بحرب تموز، إلى مشهد جنوبي جديد، بعد سبعة عشر عاماً تقريباً من ذلك الصيف الذي غيّر صورة الحرب في لبنان والمنطقة عام 2006. لكن هذه المرّة كان المشهد مختلفاً. كان السيّد يعرف أن أي توسّع كبير في الحرب قد يفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها بسهولة، وكان يعرف أيضاً أن جبهة الإسناد، منذ اللحظة التي بدأت فيها، لم تعد قابلة للقراءة بمعزل عن غزة. مرّت الأشهر، ولم تكن الحرب حرباً واحدة ذات بداية ونهاية واضحة، بل سلسلة متواصلة من الجولات والضربات والاغتيالات والردود. كل عملية كانت تحمل معها احتمال عملية أكبر. وكل اغتيال كان يرفع منسوب التوتّر. وكل خطاب كان يأتي في لحظة تحاول فيها المنطقة كلها قراءة اتجاه الأحداث: هل تتجه نحو حرب شاملة، أم تبقى في حدود التصعيد المحسوب؟ وفي تلك الفترة، ظل صوت السيّد حسن نصرالله حاضراً. فالسيد الذي عاش سنوات طويلة بعيداً عن العلن، والذي اعتاد أن يخاطب جمهوره عبر الشاشة بسبب الاعتبارات الأمنية، كان يعرف أن كل كلمة محسوبة، وأن المنطقة كلّها تسمع. كان ظهوره بالنسبة إلى جمهوره امتداداً لثلاثة عقود من القيادة. وكان حضوره يتجاوز حدود المنصب، لأن صورته ارتبطت في ذاكرة بيئة المقاومة بمحطات طويلة من تاريخ المقاومة في لبنان والمنطقة. حتى عندما غاب عن الصورة، كان حاضراً فيها. وحتى عندما لم يكن يتحدّث، كان السؤال يدور حول ما الذي سيفعله، وكيف سيرد، وإلى أين يمكن أن تصل الجبهة. في 17 أيلول/سبتمبر 2024، نفّذ العدو الإسرائيلي تفجيرات متزامنة لأجهزة اتصال محمولة «البيجر» في مناطق مختلفة من لبنان، ما أدّى إلى استشهاد وإصابة الآلاف من المدنيين والمجاهدين، قبل أن ينفّذ في اليوم التالي موجة ثانية من الانفجارات طالت أجهزة اتصال لاسلكية. وأمام هذا التصعيد، بدا واضحاً أن المواجهة دخلت مرحلة مختلفة، وأن الحرب لم تعد محصورة فقط في خطوط النار التقليدية. وبعدها بأيام قليلة، جاء التصعيد الأكبر. في 27 أيلول/سبتمبر 2024، اغتال العدو الإسرائيلي السيّد حسن نصرالله في غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت. وفي اليوم التالي، أي في 28 أيلول/سبتمبر، أعلن حزب الله استشهاد أمينه العام، بعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها في قيادة الحزب والمقاومة. لكن نهاية الحياة لم تكن نهاية الأثر. ليس سهلاً أن تكتب عن رجل استشهد، بينما الأشياء التي تركها خلفه ما زالت تتحرّك. فالرحيل قد ينهي حياة الإنسان، لكنه لا ينهي بالضرورة المرحلة التي كان جزءاً منها، ولا يمحو الأسئلة التي حملها، ولا يعيد المشهد إلى ما كان عليه قبل حضوره. ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي بعد استشهاد السيّد حسن نصرالله: ماذا بقي من السيّد؟ لأن غياب رجل أمضى أكثر من ثلاث