قررت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعفاء مساعدات عسكرية مخصصة لمصر بقيمة 320 مليون دولار من الشروط المرتبطة بحقوق الإنسان، في خطوة ربطتها واشنطن بما وصفته بـ"الدور المفيد" الذي أدته القاهرة عقب اندلاع الحرب على إيران. وبحسب وكالة "رويترز"، وجّه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في 4 أيلول الماضي رسالة إلى لجان في الكونغرس، أبلغها فيها بقرار إعفاء المبلغ المخصص ضمن مساعدات العام المالي 2025، الذي انتهى في أيلول الماضي، من الشروط الحقوقية. وأوضحت مذكرة مرفقة بالقرار وتحمل توقيع روبيو أن الإعفاء "ضروري للعلاقة بين واشنطن والقاهرة ولأولويات الأمن القومي الأميركي"، ولا سيما في ضوء ما وصفته بالدور الذي أدته مصر عقب عملية "ملحمة الغضب"، وهو الاسم الذي يستخدمه الجيش الأميركي للحرب على إيران التي بدأت في 28 شباط الماضي. ولم تكشف المذكرة طبيعة الدور المصري الذي استندت إليه الإدارة الأميركية في تبرير قرارها. من جهتها، قالت الخارجية الأميركية إن واشنطن تواصل التعاون مع الحكومة المصرية بشأن مجموعة من الملفات، وإن القرار يعكس أهمية الحفاظ على التعاون الأمني مع القاهرة في ظل التحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة. وتحصل مصر، منذ توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، على مساعدات أميركية سنوية، بينها نحو 1.3 مليار دولار كمساعدات عسكرية. وشهدت السنوات الماضية أكثر من قرار أميركي بتجميد أو حجب أجزاء من تلك المساعدات على خلفية ملف حقوق الإنسان. ففي عام 2013، جمدت إدارة باراك أوباما 260 مليون دولار، قبل الإفراج عنها عام 2015. وفي 2017، ألغت إدارة ترامب 95.7 مليون دولار وأرجأت صرف 195 مليون دولار أخرى. وخلال إدارة جو بايدن، حجبت واشنطن 130 مليون دولار في عامي 2021 و2022، ثم 85 مليون دولار في 2023، قبل أن تنتهي سلسلة الحجب مع بداية ولاية ترامب الثانية في 2025. وفي قراءة للقرار، رأى الخبير المصري في الاستراتيجية وإدارة الأزمات مراد علي أن ثمة "مقابلاً سياسياً واضحاً"، مستنداً إلى ربط الإدارة الأميركية نفسها بين الإعفاء و"الدور المفيد" الذي أدته مصر منذ اندلاع الحرب على إيران. لكنه أشار إلى أن طبيعة هذا الدور لا تزال غير معروفة، معتبراً أن السؤال الأساسي يجب أن يُوجَّه إلى الإدارة المصرية بشأن ما قدمته القاهرة خلال الحرب، وما الذي دفع واشنطن إلى تجاوز الشروط المرتبطة بحقوق الإنسان. ورأى علي أن تقديم المصالح الأمنية والاستراتيجية على الاعتبارات الحقوقية ليس جديداً في السياسة الأميركية تجاه مصر، مستشهداً بحالات سابقة حجبت فيها واشنطن أجزاء من المساعدات ثم عادت وتجاوزت تلك الشروط عندما رأت أن التعاون مع القاهرة يخدم مصالحها. وأشار أيضاً إلى العبارة التي نُسبت إلى ترامب خلال قمة مجموعة السبع عام 2019، حين تساءل بحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال": "أين ديكتاتوري المفضل؟"، في إشارة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. أما الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية سعيد عفيفي، فرأى أن القرار يعيد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المصرية-الأميركية، ويتجاوز أثره المالي إلى طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين البلدين وحدود ارتباط المساعدات بملف حقوق الإنسان. وأكد عفيفي ضرورة التمييز بين ما تثبته الوثائق وما يمكن استنتاجه سياسياً، موضحاً أن الإعفاء لا يعني إلغاء جميع الشروط الحقوقية المفروضة على المساعدات، كما لا يعني بالضرورة زيادة إجمالي المساعدات السنوية، بل يتعلق باستثناء مبلغ محدد من شروط قائمة بما يسمح بالإفراج عنه. ورأى أنه يمكن سياسياً قراءة القرار بوصفه "مكافأة استراتيجية" أو مقابلاً غير مباشر للدور الذي تعتبر واشنطن أن مصر أدته لخدمة مصالحها الإقليمية، إلا أنه شدد على عدم وجود اتفاق معلن يثبت تقديم خدمة محددة مقابل الإفراج عن الأموال. وأوضح أن الوثيقة تربط الإعفاء بالمصالح القومية الأميركية وبالدور المصري عقب بدء الحرب، لكنها لا تكشف عن اتفاق ثنائي ينص على مبلغ مالي مقابل عمل بعينه، وبالتالي يبقى وصف القرار بأنه "مكافأة" قراءة سياسية تستند إلى توقيته وصياغة مبرراته، وليس حقيقة مثبتة بجميع تفاصيلها. وأشار عفيفي إلى أن القرار يعكس قدرة الإدارة الأميركية على تقديم الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية عندما تتعارض مع الشروط المرتبطة بحقوق الإنسان، لافتاً إلى أن هذه المقاربة ليست جديدة في العلاقات الدولية. وأضاف أن أهمية القاهرة بالنسبة إلى واشنطن ترتبط بعدة عوامل، بينها موقع مصر الجغرافي، وعلاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، ودورها في أمن الحدود ومكافحة الجماعات المسلحة، وصلاتها بإسرائيل وقطاع غزة، إضافة إلى قدرتها على التواصل مع أطراف إقليمية متعارضة. وأشار عفيفي إلى أن الموقع الجغرافي لمصر وأمن الممرات البحرية، وفي مقدمتها