تعد مسرحية "أنتيغون في مولنبيك" من أشهر أعمال الكاتب البلجيكي ستيفان هرثماس، وقد صدرت مطبوعة في أمستردام عام 2017، وفيها يعارض مسرحية سوفوكليس الشهيرة، بجعل بطلتها فتاة من أصل مغربي تحمل الجنسية البلجيكية وتعيش في حي مولنبيك في بروكسل. ويعتبر هذا هو أول عمل لستيفان هرثماس (1951) يترجم إلى العربية، على رغم أهميته كشاعر وروائي وكاتب مسرحي، لطالما حظيت أعماله بالإشادة والتقدير في أوروبا. تعرِض المسرحية لمعاناة "نورية"؛ التي ترفض العراقيل التي توضع أمام دفن أخيها، الذي قضى نحبه في عملية انتحارية نفذها بعد انضمامه إلى جماعة متطرفة. تتمرد كما تمردت "أنتيغون" سوفوكليس، ولكن بطريقتها الخاصة، فتوضع في السجن، ثم في مستشفى للأمراض العقلية، وتمثل أمام المحكمة بتهمة خرق قوانين بلجيكا. وهنا ينطوي هذا العمل على شجاعة في نقد الذات عبر مواجهة مجتمع غربي لا يأبه، عند المحك، لمعتقدات الآخر، بل يسخر منها ويزدريها في عنصرية مقيتة. عرضت "أنتيغون في مولنبيك"، على خشبة المسرح الوطني في بروكسل في موسم 2021 – 2022، وقُدِمت ضمن جولة أوروبية في فرنسا وسويسرا، ثم عرضت في بولندا عام 2024. وأخيراً، صدر نص المسرحية نفسها في "سلسلة من المسرح العالمي" التي يصدرها المجلس الوطني الكويتي للثقافة والفنون والآداب، مترجماً من الهولندية إلى العربية، بتوقيع حازم كمال الدين، وهو مترجم ومسرحي وروائي بلجيكي من أصل عراقي. ولكمال الدين منجز مسرحي غزير، على مستوى النص والخشبة، وقُدمت أعماله على أعرق مسارح أوروبا وكندا، ومصر، واختير في 2025 شخصية العام الثقافية في بلجيكا. وإلى جانب كونه محاضراً في قضايا الاستشراق والاستغراب، فإنه ممثل ومخرج، وباحث في التكنولوجيا التفاعلية، ومدرس ارتجال حركي، وسبق أن منحته الهيئة العربية للمسرح جائزة أفضل مؤلف مسرحي للكبار عام 2014. وفي تقديمها للترجمة التي أنجزها كمال الدين لمسرحية "أنتيغون في مولنبيك"، أكدت مستشارة سلسلة "من المسرح العالمي" الكاتبة الكويتية د. سعداء الدعاس، أنها الأولى لنص لهرثمانس على مستوى العالم العربي، فضلاً عن أنها تقدم للمرة الأولى عملاً أدبياً من اللغة الهولندية في نطاق هذه السلسلة الفصلية (العدد 423 – 2026). أعاد ستيفان هرتمانس كتابة المسرحية الإغريقية "أنتيغون"، لكنه، كما يقول كمال الدين، وضع الشخصية في الكتابة الجديدة في ظروف ترمي لإطلاق نداء معاصر للدفاع عن "الحالة". لقد جعل من "أنتيغون" مواطنة من مولنبيك، وهو حي يقع غرب بروكسل، يضم منازل مكدسة بسكان يعانون من البطالة. كما يضم في الوقت نفسه مواطنين من الطبقة المتوسطة، "يشكلون النبض الذي ينعش الحي ويدفع أبناءه إلى الانخراط في الحياة، والمساهم الإيجابية في المجتمع، على الرغم من الظروف الصعبة، بحسب مقدمة المترجم. وهكذا، قدم ستيفان هرتماس آلية مغايرة، ومعالجة آنية، في نص حيوي، ينتزع "أنتيغون" من قلب الإغريق بأساطيرها الراسخة، ونصوصها الخالدة، ليرمي بها على أرصفة شوارع مولنبيك في بلجيكا؛ امرأة عربية مسلمة، يزينها الحجاب بالاختلاف عن محيطها، وتدجنها اللغة بالانتماء إلى ذلك المحيط؛ فتقف صامدة رغم لحظات الانهيار، يحفها الأمل بتحقيق رغبتها المستحيلة في دفن رفات أخيها. بلغة شاعرية وتكنيك خاص، صنع ستيفان هرتمانس نسخة معاصرة من أنتيغون سوفوكليس، التراجيديا الكلاسيكية الشهيرة، عن الفتاة الشجاعة التي خرجت على تعاليم الملك كريون، وقررت أن تدفن شقيقها. لكن هرثمانس جعل من بطلته الطالبة الجامعية المتفوقة في دراسة القانون، تجاهد من أجل ذكرى أخيها الأصغر الذي كان متفوقاً في لعبة كرة القدم، قبل أن يعتزلها مبكراً بسبب إصابة جسيمة أثناء إحدى المباريات، وتجتذبه أفكار جماعة نمتطرفة تكلفه بتنفيذ تفجير انتحاري. إنها لفكرة رهيبة أن يتحول الأخ إلى مجرد "شيء" في كيس ثلاجة موتى، وملف إداري يدفن تلقائياً داخل الأرشيف مع ملفات أخرى. يرفض ضابط الشرطة "كرينوم" التعاطف معها بل ويطردها من مكتبه. تساء معاملتها حتى من جانب زملائها في الجامعة، جراء جريمة لم ترتكبها. تصلها رسائل عبر الفيسبوك، تطلب منها العودة إلى كثبان الرمال في الصحراء، "والأفضل أن تفجري نفسك كما فعل أخوك المتوحش". هي تتفهم أن أخاها كان ضحية رجال متقدمين في العمر يبذرون الكراهية في نفوس الرجال اليافعين لكي يولد فيهم التوق إلى التضحية بشبابهم من أجل مثاليات لم يعودوا يؤمنون بها هم أنفسهم". وخلال محاولتها العثور بنفسها على جثمان شقيقها المحفوظ في مركز الطب الشرعي، يُقبض عليها، وتعامل بعنف ولا تجد أي تفهم لمشاعرها لا من محاميها ولا من القاضي الذي مثلت أمامه بتهمة خرق قوانين البلاد. قالت للقاضي: "شرائع أسرتي تحتم عليَّ السعي لدفن ما تبقى من جثة أخي"، فأخبرها أنه يحكم بالقانون البلجيكي وليس بالشرائع الصحراوية الأزلية، فقالت: "الصحرا