دخل كباش الأذرع بين الإدارة الأميركية والقيادات الإيرانية ووكلائها مرحلة تختبر صدقية التحالفات بقدر ما تختبر القدرة على الردع. المعضلة أن التفاهم التكتيكي مع ذراع إيرانية قد يقوّيها على حساب حليف استراتيجي، مثلما قد يضعف الانسحاب الأميركي الدولة التي يفترض أنه يمكّنها. واشنطن أمام اختبار عزمها على توظيف تفوقها العسكري في واقع ميداني، فيما تستخدم طهران أذرعها لاستدراج حرب أوسع تحشد للنظام مؤازرة شعبية وتصرف الأنظار عن الانهيار الاقتصادي وتداعياته الاجتماعية داخل إيران. المملكة العربية السعودية تقع اليوم في صميم هذا الكباش، مطوّقة من الجنوب عبر الحوثيين في اليمن ومن الشمال عبر الفصائل العراقية المرتبطة بإيران. العراق في عين الخطر وهو يخرج من حماية الوجود العسكري الأميركي فيما سلاح الفصائل باقٍ، باستهداف متعمّد للسيادة وإصرار على تطبيق نموذج الحكم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية عليه. الحرس الثوري الحاكم في طهران يستخدم الفرصة لإعادة صياغة «محور المقاومة الإسلامية» وتموضعه في العراق بعد خسارته سوريا، بمساهمة محورية من الميليشيات الحوثية التي باتت ذخيرة رئيسية لطهران بعد انحسار قيادة حزب الله للأذرع الإيرانية. التفاهمات الأخيرة بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وبين الحوثي الذي تصنّفه واشنطن إرهابياً أساءت للسمعة الأميركية الملوثة بتهمة سرعة خيانة الحلفاء. برغم محدوديتها البراغماتية لتجنب توسيع الحرب مع إيران واحتواء الطموح الحوثي في باب المندب، قرأ الحوثي فيها ضعفاً أميركياً وحاجة إليه، وتصرّف بثقة الحماية كأنه شبه شريك، يمنحه عدم استهداف الأميركيين مساحة لتعميق العدوان على حلفائهم. تقليص المخاطر على الولايات المتحدة قد ينقلها إلى شريكها الاستراتيجي؛ وهذا انطباع مؤذٍ للمصالح الأميركية كما للحلفاء، يستدعي تصحيحاً عاجلاً. التفاهم مع الحوثي تكتيكي، والتحالف مع السعودية ودول الخليج استراتيجي. هذا الترتيب يجب أن يظهر في السياسة الأميركية، لا في بيانات الطمأنة وحدها. تأكيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو التزام واشنطن تعهداتها الدفاعية تجاه السعودية مهم، لكن الامتحان في منع الحوثي من تحويل التفاهم إلى حصانة. تفعيل طهران للجبهات الحوثية والعراقية يلتقي عند القرار الأميركي المؤجل في شأن إيران. مؤخراً، أصبح الخيار العسكري الأميركي الموسع ضد إيران جدياً، وإن كان لا يزال قراراً أولياً للرئيس الأميركي ولم يتحول إلى قرار نهائي بموعد تنفيذي. دوافعه الأساسية تكمن في عدم تمكن حكام الجمهورية الإسلامية الإيرانية من تلبية المطالب الأميركية المتعلقة بالبرنامج النووي الذي هو في صلب عقيدة النظام. اعتداءات الأذرع، بما فيها تطويق السعودية، لا تتجاوز الملف النووي أهمية أو أولوية. لكن ما يترتب عليها خطير، لاختبارها صدقية الولايات المتحدة، ولكشفها رعونة الحرس الثوري ووكلائه وجرأتهم على التطاول الاستراتيجي، ظناً منهم أن ترامب مقيّد بالانتخابات النصفية، وأنه رجل لن يجرؤ. الفارق كبير بين إعداد خيارات يستطيع ترامب استخدامها للضغط، وبين انتقاله إلى الاقتناع بأن مواصلة التأجيل تزيد كلفة المواجهة المقبلة. لذلك لا تجوز الاستهانة بالتحضيرات العسكرية، مثلما لا يجوز الرهان على التفاهمات البراغماتية العابرة، ومثلما لا يجوز قصر النظر الاستراتيجي في هذه المرحلة المفصلية. الحرس الثوري قد يكون ساذجاً في رهانه على الانتخابات النصفية بوصفها حصانة مؤقتة. حسابه أن ترامب لا يريد حرباً ترفع أسعار الطاقة وتربك الناخب الأميركي وتضعف الجمهوريين. لكنه يفترض أن الرئيس سيتصرف وفق مسار واحد مهما تبدلت الظروف. احتمال خسارة الجمهوريين الكونغرس، أو أحد مجلسيه، قد يدفع ترامب إلى تسريع قراره العسكري قبل أن يقيّد كونغرس ديموقراطي قدرته على تنفيذه. الخسارة لا تقيّده في اليوم التالي؛ ثمة فترة قبل تسلم الكونغرس الجديد مهامه، وصلاحيات رئاسية لا تلغيها النتيجة الانتخابية. الاطمئنان الإيراني إلى الروزنامة الأميركية مغامرة. استخدام الحوثيين والفصائل العراقية لرفع كلفة التردد الأميركي قد يقنع ترامب بأن تأديب الأذرع وحده ليس كافياً، وأن الوقت حان لإجراءات مباشرة ضد راعي الوكلاء وعقلهم المدبّر، الحرس الثوري الراديكالي العقائدي الحاكم في طهران. هذا لا يجعل الحرب حتمية، لكنه يجعل الاستفزاز مغامرة. تعزيز الدفاعات الأميركية في الخليج يكتسب معناه هنا. إرسال بطاريتي باتريوت إضافيتين لحماية منشآت للطاقة في السعودية وقطر يقلص انكشاف الشركاء أمام الرد الإيراني، ويوسع هامش القرار الأميركي. الحماية لا تعني موافقة خليجية على الحرب أو استعداداً لدفع ثمنها، لكنها تؤكد أن أمن المنشآت النفطية والغازية جزء من حسابات أي عملية موسعة، وليس تفصيلاً يلي اتخاذ القرار. الحوثيون يختبرون بدورهم حدود المعادلة. إعلان